الرئيسية / رأي / موراكامي يستعير كافكا

موراكامي يستعير كافكا

رواية للأديب الياباني هاروكي موراكامي

 

لطالما امتنعت عن إعطاء النجمة الخامسة حتى للأعمال التي أثرت بي بشكل بالغ، لا أزعم أن لدي سبابًا واضحًا لإعطائها هذه المرة، لو كان هناك من يستحقها لكل أعماله التي قرأتها لكانت النجمة الخامسة من نصيب عدة روايات لجوزيه ساراماجو، كاتبي المفضل.. لعل ما يستدعي سارماغو هو الجو الغرائبي الذي تناول أسئلة في الأساس بما استدعى تجسيد مفاهيم مجردة كشخصيات لها دور أصيل في العمل إن لم تكن لها البطولة؛ شخصية الموت في انقطاعات الموت لساراماجو والكولونيل ساندرز (الذي جسد مفهومًا مجردًا لم يفصح عن ماهيته موراكامي) برواية “كافكا على الشاطئ”.

 

لم أكن أبحث عن عملًا محددًا لفرانز كافكا لأقرأه، كنت أريد أن أقرأ عملًا يشبه “المسخ” لذا أدرجت اسمه على محرك البحث “جوجل” فاقترح “كافكا على الشاطئ” ككلمة بحث أكثر رواجًا، وقلت لمَ لا؟ رأيت اسم هاروكي موراكامي مؤلفًا، وكنت قد قرأت له “الغابة النرويجية” منذ عامين، على الأغلب، وكان لوقعها، بايقاعها البطيء وصراعها المكتوم، تأثيرًا ثقيلًا على قلبي، ومع ذلك قلت لمَ لا أجربه مجددًا.

 

كنت أشعر في البداية أني أقرأ عمله السابق ذكره، ذلك المراهق الذي يضيق بعالمه ويخطط للهرب، لا للانفجار – هذا لا يبعد كثيرًا عن شخصية واتانابي في الغابة النرويجية؛ العمر والسمات الشخصية – لكن شيئًا مدهشًا كان يسرد في فصول متوازية عن تحقيق إمريكي عن حدث استثنائي حدث لأطفال مدرسة بعد هزيمة اليابان كانوا في نزهة بالغابة مع معلمتهم.

 

لا أقول أن خط الفتى، الذي يسعى لأن يكون أقوى فتى في الخامسة عشر من عمره في العالم، لم يكن مشوقًا، لكن الخط الآخر كان يوقظني، حرفيًا، من نومي في ساعات متأخرة من النوم لأقرأ فصلين، ربما ثلاثة لأقرأ فصلًا من خط الفتى، وفصلين من الخط الثاني خصوصًا منذ ظهور ناكاتا.

 

حاولت كثيرًا بعد أن قرأت هذه الرواية المربكة أن أكون تفسيرًا مترابطًا ومتماسكًا لما تعنيه الشخصيات والأحداث، قرأت عددًا من القراءات، ناقشت أصدقاء قد قرأوا الرواية، لكني لا أزعم أنني قد توصلت لشيئًا واضحًا، لكني استطيع أن أسقط بعض التفسيرات الشخصية بشكل متفرق على شخصيات وأحداث الرواية، وأطرحها هنا للاستكشاف والمناقشة ليس أكثر:

 

لعلني أبالغ حين أقول أن كافكا وناكاتا كانا في صراع مباشر على الرغم من عدم التقائهما في أيِ من أحداث الرواية، فكافكا الذي اختار اسمه – مع الإبقاء على اسم والده – لطالما أراد أن يمتلك ناصية مصيره هربًا من نبوءة والده المشؤمة، وكان يحاول دائمًا السيطرة على خطواتها بل وعلى جسده، هو النقيض الكامل لناكاتا الذي لم يختر شيئًا في حياته وكان مسير لينفذ (إرادة القدر؛ هل تجسد القدر في شخصية الكلونيل ساندرز نموذج الرأسمالية التي تقوم مقام الاله على الأرض وتسير الناس في مسارات من الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك بدءًا من عاملة الجنس (مكنة الجنس) التي تدرس الفلسفة وانتهائًا بهوشينو سائق المقطورة التي يرافق نكاتا في رحلته؟)

 

وبالرغم من سعيهما على طرفي نقيض إلا أنهما كانا ينفذان الشيء ذاته؛ تحقيق نبوءة الوالد، وكأن موراكامي يود أن يقول “لا جدوى من الاختيار فنحن جميعنا نساق إلى نفس المصائر”.. هذا موراكامي الذي أعرفه، حتى وإن اقترب من عالم “كافكا” في هذه الرواية.

 

اختار الكاتب شخصيتين من جيلين مختلفين جيل تشكل وعيه على الهزيمة (نكاتا-الوالد:جون ووكر – الآنسة سايكي)، وجيل لم يسمع حتى عن الحرب (كافكا الصغير-هوشينو)، وحشر بينهما جيلًا لا يعرف هويته (أمين المكتبة: أوشيما) من هنا نستطيع أن نفهم الاختيارات والمصائر لكل منهم.

 

في رأيي؛ النبوءة تحققت رمزيًا، لم تكن الآنسة سايكي أمًا لكافكا الصغير، فكافكا الصغير نفسه لم يكن كافكا حبيبها الراحل حقًا ومع ذلك عندما شكت له غيابه تحدث بصوته، في المقابل قامت هي بالمثل ولم تنكر نظرية الفتى عندما طرحها، هي ليست الأم ولكنها هربت مثلها، ومن عالم يشبه عالمها.

 

الحجر، والباب الذي فتحه، والبلد الذي كانا يقفا على بابه في الغابة الجنديان (التائهان/الهاربان) هم من عالم واحد، هربت إليه سايكي بعد هزيمتها الأولى، وحاول اختراقه الوالد في أشكاله الثلاثة جون ووكر والوالد والكائن الذي خرج من جثة نكاتا.. ربما كان هذا الشيء الماضي أو الهزيمة لذا سيحرقه هوشينو كما حرق كافكا مذكرات سايكي بناءًا على وصيتها.

 

وإذا ما أسرفت في التأويل فمن الممكن أن أقول إن حرق الماضي يعني التخلص من المستقبل الذي ينبئ به، ولعل هنا تتحقق الإرادة لكل من كافكا الصغير وهوشينو وأوشيما وسيكون هناك اختيارات يمكن أن يتحملوا مسؤوليتها.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

بيتر الصغيران يكتب: الرواية والقصة بين الموقف والنصيحة

كمية من الحكم والمواعظ والنصائح منتشرة بقوة في العديد من الروايات والقصص الحديثة ، وهذا …

تعليقات