الرئيسية / رأي / ما فى الجيب (1): الاقتصاد فى لُعبة

ما فى الجيب (1): الاقتصاد فى لُعبة

من منا لم يلعب لعبة “بنك الحظ”! تُلقى النرد، وتسحب الأوراق، وتستمتع بسحق الآخرين وجنى أرباحك منهم. بالطبع الكثير منا فعل ذلك وهو لم يدر التاريخ الاقتصادي لتلك اللوحة، وخلف كل تلك الإشارات.

كانت “إليزابيث ماجي” أول من قام بتصميم هذه اللعبة، التى قامت على مبدأ الاحتكار الاقتصادي الذى ظهر عام 1903، وأطلقت عليها اسم “المونوبولي Monopoly” وتعني بالعربية “الاحتكار”، وهو يقوم على فكرة وجود طرف أو بائع واحد لسلعة أو خدمة ما بغرض الاستفادة من فرق السعر عند الطَلب عليها، تجسيدًا حقيقيًا للفكر الرأسمالي الجشع، وهو ما يعني غياب المنافسة وانعدامها ومن ثم سيطرة طرف واحد فقط على السوق.

ويرجع أصل اللعبة لأبعاد تاريخية وسياسية كانت السبب في بزوغ فكرتها في عقل مُؤسستها الأمريكية، التى عُرفت برفضها جميع السياسات والمبادئ التى تتعلق بالرأسمالية وتحديدًا في أمور تملك الأراضى والعقارات، فقامت بابتكار لعبة بسيطة تحمل الكثير من الرمزية، أرادت من خلالها تعرية النظام الاقتصادى القائم حينها وتوضيح أثر  تلك السياسة على الفقراء، وأهمية تحويل أراضى الدولة إلى أراضٍ ينتفع بها الجميع بدلًا من احتكارها  لحساب شخص واحد وذلك من أجل المساواة بين الطبقات وإلغاء الفجوات فيما بينها.

وقد وضعت “ماجى” قواعد اللعبة عام 1904 لتوضيح نظرية الضرائب الخاصة “بهنري جورج” التى عرضها فى كتابه “الترقي والفقر” الذى أقر فيه بأن “لجميع البشر الحق المتكافئ في استخدام الأرض كما هو حقهم في استنشاق الهواء، وهو حقٌ مُعلنٌ بموجب حقهم في الوجود”، وكانت غايتها أن تعلّم الصغار سلبيّة الاحتكار حسب وجهة نظرها.

وبناءً على نظرية “جورج” للضرائب الخاصة يقول إن التفاوت في مسألة ملكية الأراضي والعقارات يربط بشكلٍ كبير بين “الفقر وتحسن الأحوال”، فبدلًا من تشجيع المواطنين على شراء الأراضي؛ طالب “جورج” السلطات بفرض ضرائب على هذا الأمر. وبرر “جورج” بأن الجانب الأكبر من قيمة الأرض لا يرتبط بما يُقام فوقها، وإنما ينجم من مجموعة الموارد التى من الممكن أن تكون قابعة تحتها، وأضاف “يتعين استثمار عائدات تلك الضرائب من قبل السلطات نيابةً عن كل أفراد المجتمع”.

اقتنعت “ماجى” بتلك الأفكار اقتناعًا تامًا جعلها تقدم للمجتمع الأمريكى فيما بعد لعبتها “لعبة مالك الأرض والعقارات”، وفي قاعدة اللعبة الأصلية أتاحت “ماجى” للاعبين طريقتين للعب تتمثل فى “قاعدتين” على اللاعبين اختيار احداهما؛ لتعطى المجتمع الأمريكى فرصة التجربة ومعرفة الفرق بين توزيع المكسب واحتكاره لتكديس الثروات، والحكم على تلك الخيارين بصورة أقرب، حتى ولو كانت عن طريق لعبة.

فى “القاعدة الأولى” وأسمتها “الازدهار”، أرادت منها ترسيخ فكرة “المكسب للجميع” كى تنبه الناس إلى عيوب النظام الاحتكارى الذى يُفقدهم ميزات كثيرة لا يلتفتون إليها بسبب النظام السائد فى البلاد؛ حيث طبقت فيها نظرية “الضرائب على قيمة الأراضى” التى يتم تملُّكها للآخرين، فإذا استحوذ لاعب على قطعة أرض فإنه مُلزم بدفع ضرائب عليها للاعبين الآخرين وذلك حسب موقعها وما بها من خيارات ومعالم أثرية وسياحية، وعملت على أن تحقق تلك القاعدة الفوز لجميع اللاعبين فيحقق كل منهم مبلغًا ماليًّا متضاعفًا عمَّا بدأ به اللعبة.

أما “القاعدة الثانية” فجاءت على نقيض ما تؤمن به “ماجى”، فأسمتها “قواعد المحتكر”، وكان الهدف منها وجود فائز واحد فقط باللعبة، وهو الشخص الذى يتمكن من إفلاس كل مَنْ حوله، ويستطيع السيطرة على ممتلكاتهم. بحيث يكون له صلاحية الاستحواز على الأراضى والعقارات وفرض رسوم مرور على كل لاعب توقَّف على أحد ممتلكاته.

قصدت “ماجى” بذلك أن يختبر الناس بأنفسهم توابع الإحتكار، ومزايا نظام الضرائب الجديد القائم على نظرية “هنري جورج”.

بعد ذلك بدأت اللعبة في التوسع حيث لاقت رواجًا واسعًا على طاولات التجار والمستثمرين، لكنها كأى شيء يقف أمام تحقيق أصحاب المصالح لمصالحهم بدأت اللعبة في التغير شيئًا فشيئًا خاصة بعد وفاة صاحبتها، وتسارع الناس في ادعاء ابتكارهم لها، من بين هؤلاء وأشهرهم “تشارلز دارو” مندوب مبيعات أجهزة السخانات المنزلية وكان قد فقد وظيفته بسبب تأزم الاقتصاد الأمريكي أو ما سُمى بعد ذلك بفترة الكساد العظيم 1929، التي تُعتبر أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين؛ حيث كان أطول وأعمق انكماش اقتصادي في تاريخ العالم الصناعي الغربي في الفترة بين 1929 و1939.

وتستطيع تخيل قوة الأزمة حينما تعرف أن بعد تلك السنوات حينما يريد علماء الاقتصاد قياس آثار أي أزمة مالية، فإنهم يقارنوها بأزمة الكساد الكبير.

وفي الأزمة ذاتها بلغت خسائر الولايات المتحدة وحدها أكثر من 30 مليار دولار، حيث بدأت الأزمة في أسواق رأس المال الأمريكية، تحديدًا في بورصة نيويورك في حي “وول ستريت”، عندما طُرح 13 مليون سهمًا للبيع، لكنها لم تجد من يشتريها، فوجد آلاف المساهمين أنفسهم مُفلسين، وخسر مؤشر داون جونز 89% من قيمته.

ولتدارك الأمر حاول أصحاب البنوك الأميركية اتخاذ بعض الإجراءات، فاستقدموا كميات كبيرة من المال من بنوك ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، إلا أن ذلك كان بمثابة مصل العدوى الذى لا شفاء منه، فانتقلت الأزمة إلى القارة الأوروبية هي الأخرى، حيث تدهورت معدلات النمو، وتراجعت الدخول والضرائب .

أدت هذه الإجراءات إلى تهاوي الأسواق المالية وخفض سعر الصرف على مختلف المنتجات مما أصاب المستثمرين بالهلع وأدى لخفض الإنتاج الصناعي وبالتالي ارتفعت معدلات البطالة نتيجة تسريح الشركات لجميع العمال، ونتيجة لانتقال الأزمات المالية لم يقتصر الأمر على تلك الدول فقد امتد التأثير إلى الدول الفقيرة أيضًا، وانخفضت التجارة العالمية ما بين النصف والثلثين، كما انخفض متوسط الدخل الفردي وعائدات الضرائب كذلك الأسعار والأرباح.

وسط كل هذا وكما تقول القصة أخذ “تشارلز دارو” رجل المبيعات العاطل يتردد على مقاهي اللعب حزينًا حتى جاءته الفكرة فقرر ابتكار لعبة تدر عليه بعض المال، لكنه بدلاً من ذلك أدخل على لعبة “ماجى” بعض التعديلات.

رأى “تشارلز” أن الفكرة التى تدور حولها اللعبة القديمة عديمة الفائدة فأزال فكرة “ماجى” ومبدأها الأساسى القائم على قاعدة الربح للجميع، وبدلاً من ذلك ثبت فيها مبدأ الاحتكار وفكرة الفائز الأوحد، بل وأعاد رسم لوحتها فأدخل عليها أسماء بعض الميادين المشهورة ليضفى عليها بعض التسلية، ثم قام ببيع النسخة المعدلة إلى شركة “باركر برذرس” للألعاب على أنها من ابتكاره.

مع إجراءات براءة الاختراع اكتشفت شركة “باركر برذرس” أن أصل اللعبة يرجع إلى “ماجى”، ولكن هذا لم يمنعها من شراء اللعبة من “دارو”، بل بالعكس رأت في هذا مكسبًا مضمونًا بسبب الجدل القائم على تلك السيدة التى اشتهرت بتمردها على الرأسمالية والمطالبة بحقوق المرأة، مما دفع شركة “باركر برذرس” أيضًا إلى شراء حق استخدام الابتكار المُثبت في براءة الاختراع الخاصة بـ “ماجى” هي الأخرى. سجل “دارو” بعدها براءة اختراعه “المعدل” عام 1970، أى بعد 66 عاماً من إبتكار “ماجى” لها، ليصبح مليونيرًا بعدما كان عاطلًا.

لكن يبدوا أن حق “ماجى” لم يذهب سُدى فقد أعادت شركة “باركر برذرس” طرح اللعبة فى الأسواق باسم “مونوبولى”، وطبعت فى عام 1974 كُتيبًا لشرح طريقة اللعبة وتوضيح مفهوم الاحتكار ومخاطره بين التسلية والتعلُّم.

تحورت لعبة “المونوبولي” أو “بنك الحظ” في أشكال عدة وقواعد جديدة قد تتماس مع نظيرتها الأصلية أو تختلف بفعل الزمن والثقافات والدول، لكن ما لا شك فيه أنها بعد كل هذه المدة والأحداث والأزمات الاقتصادية أخذت تزداد شهرة وتوسعًا، حتى وصلت للعالم العربى بفكرتها وشكلها البعيدين كل البعد عن هدفها الأساسى الذى أرادته “ماجى”، لتكون متاحة في أكثر من 111 دولة وبنحو 43 لغة تقريباً.

ومن الطريف ذكر أنه يحظر بشكل رسمي بيع ولعب “المونوبولي” في دولتين فقط في العالم، هما “كوريا الشمالية” و”كوبا” اللتين أقامتا حواجز وقيود حماية ضد الاحتكار.

كل هذه القضايا والقصص خلف تلك اللوحة التى يجلس أمامها الآن أحدهم يلقى النرد منتظرًا سكونها على رقم محدد ليبدأ مغامرة جديدة يستحوذ فيها على أموال وعقارات هذا العالم المنبسط أمامه، داعيًا الله أن تكون بطاقة السجن من نصيب صاحبه ولا تقع في يده.

عن أحمد النَميس

أحمد النَميس
صحفي، مذيع راديو، باحث فى الشؤون الأفريقية. أعشق التراث الشعبى المصري والمصريين.
تعليقات