الرئيسية / رأي / ما المخيف في غد لم يتشكل بعد؟

ما المخيف في غد لم يتشكل بعد؟

لا شيء يشي بأن هناك ما يجعلنا نفخر يومًا ما بما نعيشه هذه الأيام، ومع هذا أكاد أجزم أننا سنترحم في المستقبل البعيد على أيامنا هذه، لا لشيء سوى الحنين الأخرق إلى الماضي بفعل الرفض التقليدي لكل ما هو جديد ومن ثم مجهول لجماعة من المسنين -سنكون نحن منهم- يستعصي عليهم المواكبة.

منذ أيام تسائلت مع صديقة إذا ما كان كرهي لتصرفات فلان الأبوية يرجع إلى طبيعة المرحلة العمرية التي أعيشها وفرق الخبرة الحياتية بيننا، ناهيك عن سمات الأدوار التي نمارسها أنا وهو في الحياة، والتي هي بالضرورة تشكل تصرفاتنا، بما يعني أن بمرور الزمان، وتغير الأدوار، سيكون مآلي “الأبوية” التي تفرض تصوراتها ورعايتها المانعة على دوائر ربما تخرج عن دائرة اختصاصي أو تأثيري، وبشكل من الطبيعي أن يرفضه أي بالغ عاقل مهما كان عمره.

أشعر بالفزع، وأنا أراقب أصدقائي وصديقاتي وهم يتحولون شيئًا فشيئًا إلى النماذج اللاتي يكرهونها؛ الأهل، المعلمون، مديرو الأقسام، وأحيانًا أصحاب السلطة والنفوذ بدراجاتها، تتجلى الأساطير الأغريقية التي يقاوم فيها البطل مصيره بالطريقة التي تدفعه مباشرة إليها، وأقلب ما بين يدي البومات من الذكريات حول كل الوعود التي قطعتها على نفسي لكي لا أكون شخصًا لعلني الآن أكونه.

يربط الكثيرون، ومن بينهم متخصصون في علوم النفس والاجتماع، ما بين النضج وقبول معطيات الأدوار التي تفرض علينا، الاندماج والتأقلم من الخارج، ومباشرة الأداء إلى حد التقمص لهذه الأدوار. هنا أفهم اختياراتي الطفولية، امتناعي عن المضي في سكة الأطوار الاجتماعية المقبولة منذ سن المراهقة: طالب، متخرج، شريك في علاقة، زوج مسؤول، وأب يتعين عليه إنكار تطلعاته من أجل بذل الرعاية، وأفهم هذا الاضطراب العام في كل هذه الأطوار حولي، إذ لم تعد مقبولة حينًا أو مجدية حينًا من قبل أجيال أصغر.

ظني أن القبول الآمر لم يعد له نفس النفوذ في النفوس، ويتشكل نظام أو صورة ما جديدة لأدوار وعلاقات، لعلنا لا نتفق كلنا حولها، وبالتالي لن يكون هناك “نموذج” نفهمه ونألفه، وسيكون المستقبل عصي علينا أن نفهمه -نحن جيل الوسط، فلول النظام الاجتماعي القديم- ولهذا قد نحن لأيام تعيسة، لن نتذكر منها شيء سوى صورة رومانسية تليق بأي ماضي فات ألمه وبقيت شجونه.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

هند سمارة تكتب: محاكم تفتيش المدينة الفاضلة

  فى المحكمة، هذا القاضى يحكم على شخص بريء… أو مدان. و بكلمة واحدة فقط …

اترك تعليقاً