مصطفى الأسواني - روائي وصحفي مصري

ماذا لو حكمتنا حكومة إنسانية واحدة موحدة؟!

 

مصطفى الأسواني - روائي وصحفي مصري
مصطفى الأسواني – روائي وصحفي مصري

انتهى زمان الدول، ورغم ذلك لا تزال موجودة وهي سبب المشاكل والحروب، فعندما ننظر إلى العالم بعين النسر المحلّق في أعالي السماء مراقبًا شاهدًا على ما يجري في الأرض، سنشعر بشعور غريب، سنبصر برؤية مختلفة.. إننا نحتاج فقط إلى إنسانية واحدة موحّدة.

 

وعلى سبيل المثال، كان هناك ألف شخص يموتون يوميًا من الجوع في إثيوبيا، في الوقت نفسه، كانت أوروبا ترمي بلايين الدولارات من الطعام في المحيط؛ لذلك فإن أي شخص ينظر إلينا من بعيد سيعتقد أن البشر مجانين تمامًا!! آلاف الناس يموتون وجبال من المواد الغذائية تُرمى في المحيط؛ طبعًا لأن إثيوبيا وغيرها من الدول الفقيرة ليست من اهتمامات الدول الغنية والمتقدمة، والتي اهتمامها الأول هو الحفاظ على اقتصادها ومالها ومكانتها في السوق وسباق السوء، حتى لو كان بإمكانها إنقاذ حياة الناس بإعطائهم ذلك الطعام المرمي.

 

مشاكلنا عالمية، لذلك علينا التفكير في حلول تكون عالمية أيضًا..

وأقول لكم نظرتي إلى هذه المشاكل، هناك دائمًا أشياء لا ضرورة لها في مكان ما، وفي مكان آخر تعتمد حياة الناس عليها «مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ»، ووجود حكومة عالمية يعني أنها ستنقل الأشياء الضرورية إلى مكان حاجتها؛ حيث إن الإنسانية واحدة، أمة واحدة.. عندما نفكر بهذا وننوي عليه، سيكون هناك اقتصاد واحد.

 

في آخر مرة قامت فيها أمريكا بإغراق موادها الغذائية، كانت كلفة إغراقها فحسب ملايين الدولارات، هذه ليست كلفة المواد بل فقط كلفة نقلها ورميها.. وأمريكا ذاتها لديها ثلاثين مليونًا شخص لا يستطيع تأمين طعامه!! وهكذا، نجد أن السؤال ليس في تقديم الطعام للغير، بل لأهل الدار قبل الجار، لكننا نوينا على الدمار.

 

المشكلة معقدة؛ لأنك إذا أعطيت الغذاء المجاني لثلاثين مليون جائع، سيبدأ عندها الآخرون بالقول: «لماذا يجب علينا نحن أن ندفع ثمن طعامنا؟»، وسوف تهبط جميع الأسعار والدرهم والدينار والدولار.. ويتوقف المزارعون عن الزراعة والتجار عن التجارة؛ لذلك من خوف أمريكا على اقتصادها، تترك ثلاثين مليون يجوعون ويتسوّلون في الشوارع، وتستمر برمي الطعام الزائد عن حاجة السوق والفوائد.

 

ليس هناك ثلاثون مليون أمريكي يموت من الجوع فحسب، هناك أيضًا ثلاثون مليونًا آخرون يموتون من التخمة واللحمة، لكن العلم قادر تمامًا على حل مشكلة هؤلاء، بالتوعية الصحية والمواد المساعدة.

 

بإمكاننا إنقاذ ستين مليون شخص فورًا، عندما يصبح لدينا قليل من الفهم الشامل والكامل الذي نحصل عليه عندما ننظر بعين النسر الحكيم، نظرة واسعة الأفق ترى حق كل خلق، فقلد وصلت بنا مشاكلنا إلى حالة تستدعي أن نحوّل الإنسان بتقاليده البالية وأفكاره المشفرة المتحجرة وكل الأنظمة التعليمية والقيم والتقاليد والشرائع المشرّعة بالجهل والتعصّب، هذا ما أوصلنا إلى هذا المستوى وإلى أسفل السافلين، الانتحار العالمي الذي سيحدث قريبًا هو النتيجة النهائية ومحصلة حضاراتنا وفلسفاتنا وأدياننا، كلها ساهمت فيه بطرق غريبة، لكن لا أحد حتى الآن فكر بالعالم ككل، كل منا كان ينظر إلى بيته أو شارعه، مدينته أو دولته، دون أن يهتم بالجار «لا سابع جار ولا حتى أقرب جار إلى الدار».

 

في هذه الحالة المشحونة المحقونة، أخطر خطر هو أن التحضير للانتحار والدمار، من قِبل جميع الدول، يحمل اسم الحرب والانتصار؛ أي لعبة سخيفة للأولاد الصغار، وتستطيع أن ترى هذا في الطريقة التي تحترم فيها الدول أعلامها وتعبدها، مجرد قطعة صغيرة من القماش إذا أنزلتها تكون قد خسرت الدولة كل هيبتها وشرفها وكرامتها ومباشرة تعلن الحرب!!

 

لقد أصبح كل الناس معاقين متخلّفين عقليًا، مجانين دون حاجة إلى مشفى المجانين.

 

إذا نظرتَ بعين العاقل والعقل ستجد أن الأرض في الحقيقة غير مقسومة أو مرسومة، فما هي الحاجة إلى العديد من الدول والحكومات، ما عدا أنها تُشبع «الأنا» والكبرياء عند كثير من الناس؟!

 

وعلى سبيل المثال، لماذا على ألمانيا أن تخاف من المهاجرين إليها، وتدفع شعبها إلى التكاثر وزيادة الأعداد؟! في حين أن الأرض تموت من زيادة عدد البشر عليها!!

 

لو أن هناك حكومة واحدة، لكان بإمكانها أن تنقل البشر من مكان لآخر، من مكان الازدحام في السكان إلى مكان الهدوء والاطمئنان، لو أن هناك حكومة عالمية واحدة دون تقسيمات بين الدول، ومع حرية الانتقال دون الحاجة إلى جوازات السفر والتراخيص وغيرها من الأشياء التافهة، سيكون من السهل جدًا حل جميع مشكلاتنا والجلوس معًا بقلوب دافئة، والهدية من الهادي يا هادي، وما نطلبه هو الهداية فقط.

عن مصطفى الأسواني

مصطفى الأسواني
صحفي وروائي مصري مهتم بالشأن الخارجي، لا أسعى لإرضاء الرأي العام. أعشق أسوان.

شاهد أيضاً

في العزلة رحلة ذهاب.. لا عودة

أدركت اليوم أنه لا رجوع لما نسميه “الحياة العادية، أظن أنني بشكل لاشعوري أعرف هذا …

اترك تعليقاً