الرئيسية / رأي / كابوس مقيم في نهار كافكا

كابوس مقيم في نهار كافكا

زارني بالأمس في كابوس، كان بوجه مسخ وأشبه بالعنكبوت، حياني متدليًا من السقف، وقال ببساطة لا أحد يريدك، وفي حلمي التالي ناولني نصلًا حادًا كان قد انتزعت به روحه وعذاباته للتو وقال حان دورك.

في الصباح استطيع مغادرة فراشي -كأغلب الناس- دون الشعور بالقلق من الكابوس الذي ربما لن أتذكره، أو في أسوأ حال أتذكر شظاياه التي لا تدمي روحي بالضرورة، بعكس بطلي روايتي “المسخ” و “المحاكمة” للكاتب التشيكي فرانز كافكا، إذ لا تكد أسوأ كوابيسهم قد بدأت بعد قبل صباح يوم عادي كان من الممكن أن يشهد تناول وجبة الإفطار والتوجه إلى العمل وقضاء يومًا كاملًا بين أعمال روتينية لكنها مهمة على نحو ما، إذ تتعطل بغياب البطل الذي يتوه في متاهة كابوسه.

لعل جوزيف كيه كان أوفر حظًا من جرويجر سامسا، إذ سمحت له الظروف أن يخرج لكابوسه ويقاومه في أروقة محاكم غامضة وأمام تهمة غير معلومة، بينما قضى سامسا، والذي كان قد بلغ لتوه عامه الثلاثين، وقته مخبئًا عن العيون في غرفته تُلقى له فضلات الطعام، والعالم الذي يعرفه -خارج غرفته- يعاد تشكيله دون تدخل منه.

يفرض كافكا الواقع الجديد من السطور الأولى ليس على البطل فحسب وإنما على القارئ، ليس ثمة تمهيد فجوزيف قيد التوقيف فور استيقاظه، وسامسا لم يتح له أن يخرج من كابوس الليلة السابقة الذي تحقق دون تفسير، وهذه أحداثًا ليست استثنائية  لدى ;كافكا يحبكها من أجل جذب قارئه لعمله، لكنه العالم القاسي الذي يعرفه.

 

الانمساخ

خرجت “الانمساخ”، وهي رواية قصيرة تعتبر الأشهر للكاتب التشيكي، إلى النور لأول مرة عام 1915، وتروي توابع تحول جريجور سامسا، مندوب المبيعات البائس الذي يجوب المدن بالقطار، إلى حشرة ضخمة، وتتناول بقسوة العلاقات الاجتماعية بجانب الضغوط العملية التي تسحق كل من هو سامسا في شبابه.

يعيل الشاب الطيب بمعيار مجتمعه أسرته التي تتكون من أب أثقلته الديون وأم وأخت في مطلع الشباب، ستضطلع بدوره في ختام الرواية، ويحدث هذا التحول الكابوسي للشاب فيفقد الاتصال ثم التعاطف مع أسرته، ويتيح هذا الانمساخ فرصة لتأمل ما تفعله بنا الحياة والناس، تلك الصورة التي ربما رأى فيها سامسا نفسه قبل أن تقع الكارثة وترسخت بوجدانه لدرجة انعكست على هيئته في مطلع الرواية التي لم تكن كابوسًا كان لينتهي مع مرور الوقت.

 

المحاكمة

بعد نحو 10 سنوات من نشر “المسخ”  يستيقظ أيضًا جوزيف كيه في فراشه في مطلع رواية “المحاكمة” للكاتب ذاته، ليجد نفسه قيد الاعتقال، وفي انتظار استجواب لا يحدث، ومحاكمة طويلة لا نفهم طبيعتها أو نوعية الاتهام التي تنظرها، ويصحبنا الكاتب في رحلة مع جوزيف بين أروقة المحاكم الغريبة والغامضة التي يحاول فيها أن يوازن بين الحصول على براءته والإبقاء على حياته التي يعرفها.

ثمة غرابة في تعامل كل من يلتقيهم جوزيف أثناء بحثه عن تلك البراءة، لكنها لا تفوق غرابة الحكم الذي لم يكن تنطق به المحكمة، ونفذ مباشرة في قلب جوزيف الذي تأرجح بين قبول المهزوم ومقاومة اليائس، وعكس شعورًا طاغيًا بالذنب والدونية لدى كافكا كما يشير العديد من النقاد، لكنه -هذا الحكم- ربما يذكرنا بقصة قصيرة كتبها في ليلة واحدة في وقت مبكر من مسيرته الأدبية.

 

الحكم

كتب كافكا قصة “الحكم” في سبتمبر 1912 ونشرها صديقه وناشره ماكس برود في دوريته في السنة التالية.

يكتب جورج بيندمان بطل القصة خطابًا لصديقه الذي سافر لروسيا ويحاول أن يطلعه فيها على المستجدات ومنها الإعلان عن خطوبته وتوليه مهام أبيه في تجارته، ثم نبدأ في التعرف على هذا الوالد في حوار طويل يجري على مستويين، الأول بين الوالد وولده، وبين جورج ونفسه التي تحمل الكثير تجاه هذا الوالد الذي يسلب الصديق والخطيبة ومن قبلهما الأم التي رحلت، وينتهي هذا الحوار بحكم يطلقه الأب الذي بدا أنه يخرف على أبنه فينفذه على الفور.

ولعل هذا هو الرابط بين “المحكمة” و”الحكم”، إذ يمكن أن نقول أن فرانز كافكا يكره جهتي إصدار الحكم، سلطة المجتمع وسلطة الأب -أبيه على وجه التحديد- إلا أنه نفذ حكمهما وبطريقة ترضيهم، وقد تحرره من عقدة الذنب.

 

رسالة إلى الوالد

بعكس رسائله إلى ميلينا، لم يرسل كافكا “رسالة إلى الوالد” لأحد، ولم تجد طريقها إلى النشر إلا سنة 1966، بينما يقول ماكس برود إنه سلمها لوالدته لكي تعطيها لأبيه لكنها أبت وأعادتها إلى أبنها. وعلى كل حال فإن الرسالة لم تصل إلى هرمان كافكا في نهاية الأمر.

ولد فرانز لأسرة يهودية في براغ سنة 1883، وكان أبنها البكر بين 6 أبناء، توفيا أخويه الذكور قبل أن يتم السابعة، وتبقى له 3 أخوات.

يقول أغلب من تناول حياة الشاب مرهف الحس، والذي توفى دون أن يتم عامه الأول بعد الأربعين، أنه كان يحمل مشاعرًا مختلطة تجاه والده قوي البنية والشخصية، فهو نشأ في فقر مدقع وكد إلى أن صار صاحب تجارة، لكنه كان متسلطًا تجاه ابنه الذي كان منطويًا وخجولًا.

ولعل هذه الاقتباس من هذه الرسالة يشرح كيف كان يشعر كافكا تجاه والده ” (..) فأنا هنا لم أكن في الواقع سوى قطعة انسلخت عنك، حتى لو كان هذا يذكر قليلاً بأمر الدودة التي، وقد انسحقت من الخلف تحت قدم ما، راحت تنتزع جزءها الأمامي وتتنحى جانباً.”

 

هكذا يشعر كافكا

يقول كثير من النقاد إن أعمال كافكا تعكس قسوته على نفسه، شعوره بالدونية التي رسختها نشأته في كنف أبيه المتسلط، وطبيعته النفسية الهشة والجسدية الضعيفة، هذا يمكن استقاؤه من رسائله إلى محبوبته ميلينا، من شعوره بالإحباط الذي أفضى إلى رغبته في التخلص من أعماله بعد موته، لكن عمليه الذي أشير إليهما هنا -الانمساخ والمحكمة- يعلنان عن اغترابه، رفضه لهذا العالم الذي لو رفضت لاأخلاقيته حاكمك ومسخك وتجاوزك.

يرسخ هذا الانطباع لدي أن لا أحد يلتفت، لا أحد يسأل، كل الشخصيات تتعامل مع هذا الاستثناء بقبول، ما يهم الأسرة التي كان يعولها سامسا، التاجر المتجول، هو كيفية مواصلة حياتها التي ارتبكت بعد انمساخ عمودها، لا كيف تحول إلى هذا الوحش وما هو مصيره، لذا عندما نرى الأبوين يهيئان فتاتهما للخروج إلى العالم من أجلهم، بعد أن فقدت تعاطفها مع الوحش الذي لم تعد تشعر بأنه أخيها، نجدهم قد اختارا حديقة، مكانًا للنزهة حيث يرُوّح الناس العاديون عن أنفسهم.

في المقابل لا نعرف ما هي تهمة جوزيف، محاميه لا يسأله عنها، ولا يهم أحدهم أن يكون بريئًا أم مذنبًا، وأوضاعًا غريبة تتحكم في مصيره ليست محل رفض من أحد، يحصل القاضي وتلاميذه على زوجة الحاجب، يواقعها أحدهم أثناء أولى جلسات المحاكمة، رسام المحكمة الذي يستطيع أن يؤثر في قرار القضاة لكن على جوزيف أن يشتري عدة لوحات من أجل براءة صورية.

فلو كان الكاتب يكره ذاته، نشأته وطبيعته ويهوديته، لدرجة تجعله لا يشعر أنه ليس كفؤًا لمحبوبته، ولا أن أعماله تستحق النشر والبقاء، فإنه يكره كذلك من دفعه إلى هذا الحال.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.
تعليقات