الرئيسية / رأي / قانون الحريات

قانون الحريات

قيود

هناك طرفة قديمة ليست قديمة جدا ساذكرك بها قارئي الراقي
” يحكي ان هناك تنبولان تقدما لشغل وظيفة ، وكانت طبيعة الوظيفة هي النوم لمده 12 ساعة فوق مراتب من ريش نعام  ، حتي يتيقن المشتري من لين المرتبة وطراوتها ، ويشهد بعينه كم الراحة التي سينعم بها اذا ما اشتري هذه المراتب ، وحين تم الاتفاق بين التنبولان وصاحب العمل علي الاجر وطبيعة العمل ، لم ينسي احدهم ان يسال قبل القيام بعمله عن مواعيد الراحة من العمل وايام الاجازات “
كنا نستمع الي هذه النكتة ونستلقي علي ظهورنا من الضحك علي هذان التنبولان اللذان يبحثان عن الراحة من الراحة ، وكذا عرفنا الموظفين خاصة المصري منهم قبل التحاقة بالعمل لابد له ان يفر ويتفحص اللائحة الداخلية لمقر عملة ، ولا ينسي بالطبع الاطلاع علي المواد الخاصة بحقوقه مادية كانت او قانونية ، ثم يتوقف كثيرا عند مواد الاجازات ، ويتفنن في استغلالها وتقسيمها علي أوقات العام وتجميعها و تفريقها حتي ينعم بأكبر قدر من الراحة والتحرر من قيود العمل ، ان الانسان العامل هنا سواء في المثال الأول او مثال موظفنا المرهق ابدا ،
والامثلة علي التحرر من الواجبات دينية كانت او أخلاقية او سلوكية كثيرة ، قد يوحي الامر بالكسل والتكاسل وضعف الهمة والرغبة في التباطؤ والتراخي والإهمال والتواكل والتواني والفتور والخمول والتقاعس والتقصير والتلكؤ والتفريط والتبلد وصف كما شئت من معاني ومترادفات للكسل والخمول وفقدان القدرة علي العمل والإنتاج ، لكن الامر يخرج خارج هذا الاطار تماما ، فالمرء بطبعه لا يرضي القيود يهابها و لا يستمرأها ، فساعات العمل تلك التي تعد واجب ومسئولية لا تنفك ان تكون اهم مسئولياته وعلي الرغم من انها مدفوعة الاجر ولها مقابل لكن المقابل هنا ليس للجهد المبذول فقط انما كذلك للجهد في تحمل ساعات الأسر تلك ، حتي ولو رجعنا الي الطرفة المذكورة في اول موضوعنا التنابلة رغم النوم والراحة يسألون عن موعد الراحة ، ان الأصفاد المقيدة لهم هنا اصفادا حريرية ، لكنها لا تزال اصفاد وربما لو بدأ وقت تحررهم من الارتهان والحجز ، قاموا بنشاط مجهد وشاق لكنه علي كل حال من اختبارهم لا يختاره الغير ولا يرتهنك علي ذمته ، ولا يكتف حريتك في اختيار وسيلة تبديد حيويتك ، حتي ولو كانت المشقة فيها اكبر ، مثل الانسان مثل العصفور الذي يختار خطر شباك الصياد عن نعيم القفص الذهبي ، فهو قفص من خشب من فضة من ذهب هو قفص هو قيد وتكبيل وارتهان وسجن وسبي وعصب وغصب .
ان النزوع الي التحرر والانعتاق امر فطري للغاية لا يمكن تصور الفطرة السليمة دونه ، والا ما كان ثواب الإسلام والاستسلام للخالق كبير كبير ، فحتي ذاك القيد المقدس المحمود  تتمرد عليه الطبائع الإنسانية أحيانا كثيرة فيظل المرء في صراع مع نفسة لتقنينها وتقيدها بالقيد المقدس وهو الخضوع ولااذعان و الاستسلام حتي وان كان انقياد منطقي للصالح والمنفعة .
فالنفس الحية تأبي المحاصرة والاحتجاز ، وتميل للانطلاق والافراج والتسريح والحرية ، حتي ولو كان المقابل كبير وحتي لو تمت الموافقة المؤقتة الزائفة ، وارجع هنا الي ان الجسد الاطار الموجود فعليا للروح ضئيل وقليل واحقر كثيرا من القبس الإلهي المتمثل في الروح والنفس فيضيق عليها الخناق ، فتكتفي الروح بهذا الاطار المادي اللزج فتأبي ان توضع داخل قوالب متداخلة ومتدرجة تحاصر الروح وتخنقها وتضغط عليها وتزعجها ، فلا تتورع الخلقة التي جبلت عليها الروح ان تطغي ، فتهفو دائما للتحرر من التكبيل حتي وان راق للمرء ثمنه ومقابله ، الروح تأبي القيود حتي وان كانت قيودا مخملية .

 

عن هبة عبد الحكم

هبة عبد الحكم
روائية وقاصة

شاهد أيضاً

أحمد عبد الفتاح يكتب: حبة لقاح مغايرة

في عام 1997 اكتشفت العالمة البريطانية ”سوزان سيمارد” أن النباتات لها القدرة على التواصل فيما …

تعليقات