الرئيسية / رأي / فيلم “العزيمة” وريادة الواقعية المصرية
فيلم العزيمة، من انتاج أستديو مصر، ومن إخراج كمال سليم

فيلم “العزيمة” وريادة الواقعية المصرية

الكثير منا لم يسمع عن فيلم “العزيمة” الذي كان من تأليف و إخراج “كمال سليم”، على الرغم من كونه الفيلم الأول على رأس قائمة أفضل مئة فيلم في السينما المصرية بالقرن العشرين، ومن بطولة “فاطمة رشدي” أحدي رائدات المسرح والسينما معًا بالاشتراك مع “حسين صدقي” أحد رواد السينما المصرية  بل أول فتى للشاشة.

ربما لأن الفيلم يعود زمن إنتاجه إلى العام 1939، أو ربما لأن مخرجه قد تُوفي قبل أن يكمل عامه الثاني والثلاثين، لذلك لم تتح له الفرصة في الحضور الجماهيري أو الانتشار.

لو أردنا وضع بعض المعايير التي تم على أساسها اختياره على رأس القائمة، بل واعتباره رائدًا للواقعية المصرية، لابد أن نعود إلى العام  نفسه لنرى الأوضاع العالمية التي كانت تحيط بظروف إنتاج الفيلم، وكيف استطاع الفيلم بما هو متاح من أمكانات آنذاك من التعبير عن عمق الحالة الاقتصادية؟

كانت السينما في بداياتها، دارت معظم الأفلام عن بعض الحقب التاريخية، و أفلام أخرى دارت في قصور الباشوات و البكوات، بينما لم تكن طبقة العمال تأتي بصور مناسبة أو معبرة عنها بدرجة كبيرة.

ويعتبر العام ذاته هو الأخير في الكساد الكبير، الذي ضرب أسواق المال العالمية، حيث جاءت البداية بالولايات المتحدة، وبنفس العام ، تحديدًا في الأول من سبتمبر اجتاح “هتلر” بولندا مما أدى لنشوب الحرب العالمية الثانية.

فكان لكل تلك الأجواء أثرها الأكبر على حركة التجارة في مصر، حدث ما يشبه الكساد وزادت نسب البطالة بسبب الحرب.

لذلك قام “كمال سليم” الذي قام بإخراج فلمين قبل هذا الفيلم لم يحظا بالقدر الكافي من النجاح، فتقدم بمشروع الفيلم الجديد إلى أستوديو مصر الذي لم يكن قد مر أربع  أعوام على افتتاحه.

تمت الموافقة على الفيلم، وجرى تصويره بالإضافة إلى أعمال المونتاج بأستوديو مصر، وكان هذا من ضمن أهم مميزات الاستوديو في أقامة صناعة سينمائية وطنية، تنافس السينما العالمية، حتى أن الملابس بالفيلم كانت من إنتاج شركة مصر للغزل و النسيج.

كتب الحوار “بديع خيري” فيما عمل “صلاح أبو سيف” مخرجًا مساعدًا، والذي تأثر أسلوبه في الإخراج بأسلوب “كمال سليم” فيما بعد.

بدءًا من المشاهد الافتتاحية للفيلم، نجد أن المخرج ركز على إبراز معطيات الحارة المصرية، فنلحظ الاعتناء الكبير بالتفاصيل بالمشهد الواحد، من حيث القدرة على صياغة ديكورات معبرة عن الحارة، والقدرة على تحريك المجاميع واستخدامهم الاستخدام الأمثل لإعطاء صورة حية عن الحارة. ثم وضع  معالم الحارة المصرية ومكوناتها من:

البيوت الملاصقة لبعضها لبعض، لا يفصل ما بينها سوى عدة أمتار.

وبقية الاحتياجات الرئسية للحارة، حيث تواجد فرنًا للخبز البلدي، وحلاق وحداد وجزار وحانوتي، ثم بختام الفيلم وضع مشاهد المولد التي تختص بها الحارة المصرية دون غيرها.

عندما نقترب أكثر للحديث عن تفاصيل قصة الفيلم، وهي تدور عن شاب لديه طموحات ولا يمتلك من تحقيقها إلا عزيمته، في مقابل تحكم و احكتار رأس المال وسيطرته على كل شيء، نشات قصة حب بينه وبين ابنه الجيران، ليتخرج الشاب في النصف الأول من الفيلم من الدبلوم العالي للتجارة، التي هى الاَن بكالوريس التجارة، عن هذا سلط الضوء المخرج على أهمية العلم، وأن تخرج شاب حاصل على مؤهل عال سيصبح بمثابة شعاع نور لكل من حوله، لنجد أن فرحة تخرجه عمت الحارة كلها، فيذهب إليه الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة لاستشارته.

وبرغم كل هذا وقفت سيطرة المحسوبية والوساطة عائقًا أمام طموحات الشاب في تحقيق أحلامه.

عرض “كمال سليم” وجهة نظره في تحكم رأس المال و الجهل في مقابل العلم، بفكرة بسيطة لم يتحذلق  فيها ،لأنه أراد أن تصل أفكاره إلى أكبر عدد من المشاهدين، من خلال شخصية “الجزار” الذي ظل طوال أحداث الفيلم ضد العلم، فيسخر منه، رغم احتياجه إلى شخص يعرف القراءة و الكتابة، مما يؤكد على فكرة احتياج رأس المال للعلم، حتى يتم توجيهه بطريقة صحيحة، بينما يحاول الجزار الزواج من محبوبة البطل و إغرائها بالمال.

حاول الفيلم تعظيم دور العلم في كيفة الارتقاء بالأمم والارتقاء بالبشر و انتقالهم من طبقة إلى طبقة، ولا يقتصر التعليم هنا على معرفة القراءة والكتابة بل إلى أقصى مستوى ممكن من التعليم، لكن في نفس الوقت سرب الفيلم إلينا فكرة الحاجة إلى مجانية التعليم التي نادى بها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين فيما بعد، لأن التعليم في تلك الفترة اقتصر على فئات معينة.

في ختام الفيلم ينتصر العلم على سيطرة رأس المال،وأكد الفيلم على أنه بالعزيمة تستطيع الشعوب التقدم، مها كان الشكل الحالي إليها.

ويمكننا تصنيف الفيلم كفيلم اجتماعي وسياسي أيضًا، نجح في بث رسائل إلى السلطة الحاكمة اّنذاك في مصر، عن احتكار رأس المال وأهمية التعليم المجاني للطبقات الغير قادرة، ثم بث رسائل إلى طبقة العمال أن العمل شرف مهما كان تواضع المنهة التي يعمل بها المرء.

عن بيتر ماهر الصغيران

بيتر ماهر الصغيران
كاتب قصص قصيرة و روائي و شاعر
تعليقات