الرئيسية / رأي / شهادات / ثورة 25 يناير / لماذا لم يحضر العريس في موعده؟ الإجابة ثورة (شهادة)
محمد مهدي - صحفي وسيناريست

لماذا لم يحضر العريس في موعده؟ الإجابة ثورة (شهادة)

محمد مهدي - صحفي وسيناريست
محمد مهدي – صحفي وسيناريست
(1)
لم أكن في الأيام الأولى لثورة 25 يناير، أحمل أي وجهة نظر سياسية، أو سخط على النظام، أو لدي حتى معرفة كاملة بأسماء حكومة “نظيف”.. اهتماماتي في هذا التوقيت تركزت في الدراسة والسعي للعمل في الصحافة وكتابة كلمات سخيفة ومراهقة كنت أظن أنها أشعار، غير أنني شعرت في جمعة الغضب أن هناك حدث جلل لا يجب تفويته، وأنني سأندم في يوما ما إن امتنعت عن المشاركة في تلك التظاهرات التي اندلعت في البلاد، فقررت أن أنضم إلى جموع المتظاهرين عقب صلاة الجمعة في 28 يناير، لكني اصطدمت بقرار الأسرة بمنعي من النزول لسبب وجيه جدًا، أن اليوم يوافق الموعد الذي أُتفق عليه لقدوم شاب وأسرته لخطبة شقيقتي.. من عساه يترك عائلته في يوما كهذا؟
(2)
الأخبار القادمة عبر القنوات الفضائية تؤكد أن هناك اشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين، وأنا أجلس أمامها غير مرتاح الضمير لعدم وجودي في الحدث، نار اشتعلت داخلي لم أستطع التحكم بها، غضبت، انفعلت على أسرتي وقررت النزول غير عابئا بمسؤولياتي كأخ في مناسبة عائلية هامة.. طلب مني أبي الانتظار لساعة لحين قدوم “العريس” على أن أرحل فور حضوره، مضى الوقت ولم يأتِ في موعده، فاحتضنت والدي وتركت المنزل لمواجهة المجهول.
(3)
عبر سيارة “ميكروباص” انتقلت من مسكني بمنطقة “ترسا” إلى شارع الهرم، دقائق وأدركت لماذا لم يحضر العريس المنتظر، على امتداد البصر كان الشارع خاليا من أي وسيلة مواصلات، وعمليات النهب في المحال المغلقة على جانبي الطريق على أشدها.. اضطررت إلى السير على قدمي حتى وصلت إلى منطقة “الطالبية” وهناك وجدت سيارة نقلتني وآخرين بالقرب من مبنى المحافظة، ثم نظر لنا السائق خائفا وقال “العربيات كلها بترجع عكسي.. وأنا خايف على لقمة عيشي.. مش هأقدر أكمل”، ترجلنا من السيارة سيرنا على الأقدام حتى وصلنا بجانب قسم شرطة الهرم، من هناك تجمعت مسيرة رفضت محاولات البعض اقتحام القسم.. صلينا العصر في الطريق، تحركنا إلى ميدان الجيزة.. ثمة مشاعر كانت تجول بداخلي للمرة الأولى في حياتي.. أنني حُر.
(4)
في الجيزة أغلقت قوات الأمن شارع الجامعة، فتوجهنا إلى شارع مراد المؤدي إلى كوبري عباس، هناك كانت ساحة حَرب، قوات أمنية تقف في بداية الكوبري، تُلقي تجاهنا ما تيسر لهم من قنابل مسيلة للدموع، كافحنا وتقدمنا فزدادت شراسة الشرطة في إرسال القنابل اللعينة، الأرض والسماء معبأة بالدخان، النظر مشوش، الهتاف مازال بقوته رغم الإرهاق، صديق ظهر من العدم وأُمسك بي، ربت على كتفي “هنعدي وهنوصل التحرير”
(5)
تقدمنا نحو كوبري عباس، سمعت أصوات إطلاق الخرطوش، تقدمنا أكثر، ثم فجأة أُلقيت قنبلة أمامي، نظرت إليها بعفوية غير المعتاد على هذا الموقف، ثم تلقيت دفعة من الغاز بغتة.. فقدت قدرتي على التنفس، اغرورقت عيناي بسيل من الدموع، كدت أن أطفح روحي من الألم، أتلو الشهادة بقلبي، الآن أموت، قبل أن يُمسكني أشخاص لا أعرفهم، ويضعوا قماشة مُبللة بالخل على أنفي، ويصب أحدهم مياه غازية على عيني، وقعت، الهواء يعود إلى رئتي من جديد، نجوت من الموت بفضل أناس لم أتبين حتى ملامحهم.. يبدو أن الأمر أكثر من مجرد تظاهرات.
(6)
حَل الليل علينا ونحن مازلنا في كفاح من أجل مرور كوبري عباس في اتجاه ميدان التحرير، قبل أن تنسحب قوات الأمن فجأة من أمامنا وترحل، كانت مفاجأة، لم نستوعب الأمر، تسألنا ماذا حدث؟ هل هو فخ؟ حصلنا على إجابة سريعة “الشرطة انسحبت والجيش نازل يأمن البلد وميدان التحرير”، هناك انقسمت الآراء، البعض أراد أن يُكمل المسيرة إلى الميدان، وآخرين أرادوا العودة إلى منازلهم بعد يوم شاق، والذهاب إلى التحرير في الصباح بعد أن اطمئنوا أن المتظاهرين في الميدان أمنين.. كنت واحد ممن تضامنوا مع الرأي الآخر.. فعدت إلى البيت.
(7)
مررت في طريق العودة بميدان الجيزة، رأيت مشهدا بائس جدًا، جنود الأمن المركزي يجلسون في محيط موقف السيارات والسنترال، ملامحهم متعبة، عيناهم زائغة، الخوف يتملكهم، يُسأل أحدهم “انتوا إيه اللي مقعدكم كدا؟”، يرد “الظباط أدونا أوامر نقعد وسبونا ومشيوا”، هكذا تُركوا من أولى الأمر، كانوا معرضين للفتك إلا أن المتظاهرين كانوا يومها ملائكة، أمدوهم بالمياه والطعام، هدأوا من روعهم، وتركوهم وشأنهم.
(8)
في شارع الهرم، كانت عمليات النهب مستمرة، شاهدت أشخاص يستولون على الأسلحة من قسم الشرطة، مقر المحافظة في يد البلطجية، أسير وسط أشخاص لا أعرفهم في عتمة الليل، طريق طويل قطعته بكل ما بقى فيّ من طاقة حتى وصلت إلى المنزل.. حضرت بعد قراءة الفاتحة وإتمام الخطبة، احتضنت والدي وأختي، سَلمت على العريس، كانت حالتي بائسة ورائحة الغاز تفوح من ملابسي.. سألوني ماذا يحدث في البلاد.. أجبت “ثورة”.

عن محمد مهدي

محمد مهدي
صحفي وسيناريست

شاهد أيضاً

بيتر الصغيران يكتب: فكرة النموذج من علي الكسار إلى علي ربيع

الجميع رأى أفلام “علي الكسار” أو بربري مصر التي أضحكنا فيها، وكانت بداية لكوميديا مصرية …

تعليقات