الرئيسية / رأي / شهادات / ثورة 25 يناير / محمد خالد يكتب: يا ميلة بختك يا ميار!

محمد خالد يكتب: يا ميلة بختك يا ميار!

(حدوته 1)

هذا شيخٌ حكيم في بلدة في شمال أفريقيا، وقف أمام الحشد الهاتف باسم البلد تأهبًا لانتهاء اللحظات الحرجة من عمر مباراة يتقدم فيها المنتخب الكروي بهدف للاشيء في مواجهة منافسه. انتهت المباراة، وجلس شيخنا في حتة ناشفة متحسرًا على ما آل إليه وضع البلد وشبابها الذين كانوا في نفس الوقت قبل سنوات ست يهتفون بالحرية والعدالة.  (موسيقى حزايني).

وبينما في حلقه غصة –حلوة غصة دي؟- استرجع أسطورة الجاسوس الذي ذهب للأندلس فوجد شابًا يبكي لضياع سهم من أصل عشرة أسهم وعد أمه بتسديدها (وفي رواية أخرى يبكي لأن أقرانه يصطادون بالسهم الواحد صيدين –عصفورين بحجر يعني- بينما هو صيد واحد، مسم)، ثم لما عاد بعد سنوات وجد آخر يبكي لضياع منديل (وفي رواية أخرى خاتم) حبيبته، فأدرك أن قوم اليوم ليسوا هم قوم الأمس، فرجع لقومه (الأعداء) وقال لهم الآن اغزوهم فقد تمكن منهم الخور. (انتهت الأسطورة).

هذا -وبعد مصمصة الشفايف  (مسم)، والترحم على زمنٍ مضى وفات وفي ديلة سبع لفات- وقف الحكيم وصرخ في الجمع (مالكم يا شباب الثورة.. البلد مالها؟) فضجر به الناس، حتى أن أحدهم قد أخرج صوتًا من أعماق أعماق أنفه وحنجرته مصحوبًا بسحبه إلى الوراء، زاعقًا: ما تبطل تنظير يا (******) أنت هتعملنا فيها حكيم؟!

وهمس آخر: أين كان ذلك الحكيم خلال السنوات الست الماضية؟ هل هو غريب هبط علينا فجأة؟!

 (حدوته 2)

ظل يردد كلمة من ثلاثة حروف أولها كآخرها وبينهما “حاء” طيلة المباراة المصيرية التي جمعت منتخب بلاده الكروي مع خصمه القوي. كان خائفًا من قيام الخصم بتعويض الهدف الذي سكن مرماه وتعود المباراة لنقطة البداية من جديد. رنّ هاتفه مرات فتجاهله، كما تجاهل  notification رسائل الفيس بوك. وبعد انتهاء “الماتش” رد على الهاتف ليأتيه صوت زميل قديم له يعمل صحافيًا بواحدة من كبريات الصحف في البلد “عرفت مكان أخوك، طلع في مقر أمني في محافظة من محافظات الجنوب، بيحققوا معاه عشان شوية الكلام اللي كتبهم على الفيس بوك، والصراحة مش هاعرف أعملك حاجة أكتر من كده، موقفه صعب، اللي قالي المعلومة بلغني بكدة.. ربنا يستر ويصبركم”.

تسمّر صاحبنا مكانه. وعلى لسانه نفس الكلمة من ثلاث حروف، بينما يطيل الحرف الأخير.. ثم مضى ليصادف حكيمًا حالمًا يردد كلمات هلامية (كأن شيئًا لم يكن.. مالكم يا شباب الثورة)، فأمطره سبابًا ومضى. لم يعد إلى بيته تلك الليلة.

(حدوته 3)

أنجز تقريره على عجل ليتمكن من العودة إلى المنزل سريعًا لمشاهدة فيلمًا على MBC2 لفورست ويتكار، للأسف لم تسعفه ظروف عمله لمتابعة مباراة منتخبه بلاده الكروي.  كان يكتب عن القرارات الصارمة التي اتخذتها حكومة بلاده لضبط الأسعار وتوفير السلع والتي تأتي في خطٍ متوازٍ مع جهود مكافحة الإرهاب والضرب بيد من حديد بالتزامن مع سد بؤر التطرف والفساد، بالتزامن مع مرور ست سنوات على ذكرى حدث تاريخي شهدته البلد.

عاد متأخرًا. تزاحم الجماهير بالميادين احتفالًا بانتصار المنتخب تسبب في أزمة مرورية خانقة. كان الفيلم في نهايته تقريبًا. وكان ويتكر مُجسدًا شخصية “عيدي أمين دادا” يقول: I am the father of this nation. شاهد ما تبقى من الفيلم. ونام.

(حدوته 4)

اعتادت هي أن يأتي ابنها كل ليلة متأخرًا. ويستيقظ مبكرًا جدًا ليلحق عمله الأول في الصحيفة، ثم يتبعه بعمله الثاني في الموقع. لا تراه إلا لدقائق. يدور هكذا مثل الثور في الساقية بحثًا عن “لقمة العيش”؛ هو مسؤول تلك الأسرة التي فقدت عائلها في الأحداث التي وقعت قبل سنوات ست. ليلة أمس كانت مستيقظة عندما عاد للمنزل بينما تظاهرت بالنوم، كانت لا تعرف كيف تفاتحه في فاتورة الكهرباء التي جاءت بالشيء الفلاني، والغاز والمياه، والأسعار، ومصروفات المدارس.. إلخ

استيقظت مبكرًا عازمة على أن تتحدث معه، أمطر قدميها ويديها تقبيلًا فهو لا حياة له إلا بدعائها ورضاها عنه، أحضرت له فطوره قبل أن يخبرها أنه سوف يأتي اليوم (وكل يوم) مبكرًا بعد أن فصلوه من عمله الثاني؛ تخفيضًا للنفقات.

(حدوته 5)

يا ميلة بختك يا ميار..

سمعت أمي تقول ذلك بعد أن خرج أخي إلى عمله. كنت لتوي مستيقظة أقاوم رغبة ملحة في استكمال نومي. ترى ما الذي حدث؟! مش مهم، المهم أنني اليوم بصدد مفاتحتها في الرسالة التي بعث بها  جارنا لي عبر الفيس بوك يطلب خطبتي فيها. هو طيب وابن حلال والحقيقة أنا معجبة به منذ أن كنا صغارًا.. هو طموح وسوف يحقق حلمه قريبًا في السفر أو الهجرة إلى خارج البلد.. الحمدلله.

 

عن محمد خالد

محمد خالد
صحافي وكاتب من مصر

شاهد أيضاً

بيتر الصغيران يكتب: فكرة النموذج من علي الكسار إلى علي ربيع

الجميع رأى أفلام “علي الكسار” أو بربري مصر التي أضحكنا فيها، وكانت بداية لكوميديا مصرية …

تعليقات