الرئيسية / رأي / سبعة أشياء تفعلها القراءة بالدماغ

سبعة أشياء تفعلها القراءة بالدماغ

من الإحساس بالتعاطف وحتى القدرة على لمس المجاز
بقلم: JR Thorpe
ترجمة: لبنى أحمد نور

“يبدو الكتاب اليوم – بل وفعل القراءة على بساطته – معرضًا لخطر الانقراض، أكثر من أي وقت مضى. فبعد دراسة أجريت عام 2006، كشفت عن أن الأشخاص الذين يمارسون القراءة عبر الإنترنت، لا يحصِّلون فعليًّا سوى 20% فقط من المحتوى النصي الذي يتصفحونه (هم في الواقع يختزلون النص على هيئة حرف F، إذ يلقون نظرة خاطفة على بدايات السطور، ثم يلاحقون بأعينهم الكلمات ذات الأهمية)، لم يعد بإمكاننا إذن أن نصم آذاننا عن الحقيقة الصارخة: لقد انتهى عصر القراءة! لم نعد نتذكر كيف نقرأ! الأجهزة اللوحية تقتل قدرتنا على سبر أغوار النص! سيتم عمَّا قريب إعادة تدوير جميع الكتب، لتُصنع منها حافظات لساعاتنا الذكية الجديدة! لكن العلم – إذ لا يزال محافظًا على رباطة جأشه – يخبرنا بالكثير من التأثيرات التي ما تزال القراءة قادرة على إحداثها في حياتنا، وفي أدمغتنا. تتعدد تلك التأثيرات؛ بدءًا من الاسترخاء وتقليل التوتر، وصولًا إلى التأثير على الدماغ تطوريًّا، وتقوية الذاكرة، وتنمية الإحساس بالتعاطف، مما يجعل من القراءة أداة فائقة التأثير، ويوجب عليك أن تنتبه إلى الهدف الذي تصوِّب نحوه تلك الرواية التي بين يديك.

نتعرض كل يوم، لقدر هائل من النصوص، وما زلنا نحاول رويدًا رويدًا اكتشاف تأثير القالب الذي تُقدَّم لنا فيه تلك النصوص، على طريقة استيعابنا لها. كشفت الدراسات، من بين ما كشفت عنه، عن أن النص ذا اللون الأحمر يبطئ من سرعة القراءة والاستيعاب إلى حد كبير (يتسبب في إشعارنا بالقلق والتوتر)، وكشفت في المقابل عن أن مشاهدة الشعارات الدعائية الخاصة بالأطعمة السريعة أثناء القراءة، ترفع من سرعة قراءتنا. إننا نتأثر بكل عنصر من عناصر الصفحة التي نطالعها، بداية من خصائص الخط المستخدم، إلى توزيع العناصر في الصفحة. ولا يسير انتقال المعلومات من الصفحة إلى الدماغ في اتجاه واحد، لكننا عوضًا عن ذلك، نظل نتردد بينهما ذهابًا وإيابًا، ونجري المفاوضات مع أدمغتنا حول ما يجدر بنا التقاطه والاحتفاظ به، وحول ما يلزمنا اتخاذ ردة فعل بشأنه.

تنفَّسوا الصعداء إذن، وكونوا على يقين من أن القراءة ما زالت فعلًا بسيطًا عميق الأثر، وهو أيضًا – ويا للمفاجأة – فعل مريح للأعصاب. إليكم قائمة مكونة من سبعة أشياء مدهشة اكتشفها العلم عن العلاقة بين القراءة وبين الدماغ.

1- القراءة تريح الأعصاب، ربما أكثر من الموسيقى.

لقد بات من الواضح أن المكتبة التي تملكها عظيمة النفع لصحتك العقلية. ففي دراسة أجريت في جامعة ساسكس في عام 2009، تبيَّن أن تخصيص نصف ساعة للقراءة، يساعد على تقليل التوتر، أكثر من قضاء عدة ساعات في تجربة طرق استرخاء تقليدية أخرى، مثل احتساء فنجان من الشاي، أو الاستماع إلى الموسيقى. تخفض القراءة مستويات التوتر، بنسبة تصل إلى 68%، وهي نسبة ليست بالقليلة.

يعتقد العلماء أن السبب في ذلك يعود في جزء منه إلى أن القراءة توفر مهربًا من الواقع، وفي جزء آخر، إلى أنها تشغل الحواس؛ فالانهماك الكامل في قراءة كتاب ما، يقلل انتباه الجسم إلى عضلاته المشدودة، ويعطي في المقابل شعورًا بالاسترخاء.

2- سرعة قراءتك للكتاب الورقي ليست أبطأ منها للكتاب الإلكتروني، لكنك قد تتذكر أكثر.

قبل عام 1992، بدا أن الدراسات تتنبأ بأن الكتب في طريقها للانقراض؛ إذ أظهر القراء سرعة أقل في استيعابهم للنص المطبوع على الورق، مقارنة بذلك الذي على الشاشة. ومنذ ذلك الحين، تباينت نتائج الدراسات بعض الشيء، والسبب الأبرز في ذلك، يعود إلى أننا أصبحنا نتعامل مع قدر أكبر بكثير من النصوص، ومع أنواع لا حصر لها من الشاشات، وبالتالي لم يعد العلماء واثقين تمامًا من صحة الفرضية السابقة.

لكنك – على الرغم من ذلك – تكتسب قدرًا أقل من المعلومات عند قراءتك لنصٍّ ما على جهاز لوحي، بالمقارنة مع ما يمنحه لك الكتاب الورقي الملموس؛ الأمر الذي قد يضايق مستخدمي أجهزة كيندل.

3- ربما تكون القراءة قد أسهمت في تطوير أدمغتنا.

كان لدى الدكتورة ماريان وولف في كتابها الأكثر مبيعا “بروست والحبار” Proust And The Squid نظرية تقول إن اختراع القراءة قبل آلاف السنين، قد حفز أدمغتنا على التطور، مما سمح لنا باستيعاب المعلومات بطريقة مختلفة. فالقراءة بالنسبة لوولف، مثلت نقطة تحول رئيسية في التاريخ الجيني والفكري للبشر، وهي تلعب دورًا محوريًّا في الطرق التي نتبعها في التفكير، والعمل، والتسجيل، والتذكر.

ما زالت النظرية محل جدل، لكن سواء ثبتت صحتها أم لم تثبت، فتكفي إشارة ستانسلس دوهان في كتابه “القراءة في الدماغ” Reading In The Brain إلى مدى سخافة الاعتقاد بأن أدمغتنا التي كان وجودها في البداية مقتصرًا على إبقائنا على قيد الحياة في غابات السافانا الأفريقية، هي نفسها التي تستطيع الآن أن تقرأ لشكسبير.

4- إننا نستجيب استجابة جسدية حقيقية للمجازات التي نقرأها في الكتب.

هذه الحقيقة مدهشة حقًّا؛ فقد كشفت دراسة أجريت في جامعة إيموري عن أن المجازات، هي في الحقيقة ملموسة أكثر مما نظن، على الأقل تلك التي تستخدم تشبيهات متعلقة بالملمس. لقد قارنوا بين صور أشعة الرنين المغناطيسي الخاصة بأدمغة أشخاص سمعوا استعارات شبَّهت شيئًا ما بشيءٍ ذي ملمس (استخدموا عبارة “مرت فلانة بيوم وعر”)، وبين الأشعة التي تعود إلى أشخاص سمعوا العبارة ذاتها بدون استعارات (“مرت فلانة بيوم سيئ”).

ماذا كانت النتيجة؟ عند سماع الاستعارة التشبيهية، أضاء ذلك الجزء من الدماغ، الذي يضيء عندما نلمس بالفعل شيئًا ما له الملمس ذاته. إننا نشعر “حرفيًّا” بالاستعارات التي نقرأها.

5- قراءة القصص والروايات تطوِّر حسَّنا الأخلاقي والتعاطفي.

لطالما شاع بين الناس أن قراءة الأدب القصصي – بما تنطوي عليه تلك الممارسة من الانغماس الكلي في حياة الآخرين، ورؤية العالم من خلال أعينهم – تفيد في توسيع أفق الإنسان. لكننا الآن نستند إلى أساس علمي متين، يسمح لنا بالقول بأن الأدب يجعلنا أكثر تعاطفًا مع الغير.

للدقة، فإن الدراسة – التي أجريت هي الأخرى في جامعة إيموري، التي يولي باحثوها الكتب والتفاعل بينها وبين الدماغ اهتمامًا كبيرًا – قد ركزت بصورة كاملة على الأدب القصصي الذي يحمل مكاشفات بخصوص شخصية بعينها، بداية من آنا كارنينا، إلى روايات تيار الوعي للروائيين المعاصرين، من أمثال فيرجينيا وولف. وهذه المرة، كانت النتائج قطعية بما لا يدع مجالًا للشك؛ فبعد قراءة تلك الروايات، أصبح المشاركون أكثر تعاطفًا، واكتسبوا ذكاءً عاطفيًّا أعلى، وكانوا قادرين على “الشعور” فعليًّا بحركة شخصيات الرواية، إذ تنبَّهت لها مناطق الحركة في أدمغتهم، كأنهم هم من يتحرك.

6- قراءة الشخصيات المعقدة، تحث الدماغ على إعادة “كتابتها”.

للدماغ طرقه العديدة التي يستطيع بواسطتها ترجمة الحروف وتذكرها، وهو يطور لغة رمزية لمساعدته في ذلك. لكن إحدى الطرق المذهلة التي يستطيع الدماغ بواسطتها التعامل مع ما يقرأه، تحصل عندما يقرأ شيئًا بالغ التعقيد وغير مألوف بالنسبة له، مثل الكانجي اليابانية أو الخطوط الفنية. نعرف الآن أن الدماغ “يكتب” الحرف فعليًّا من جديد، ويضيء منه ذلك الجزء الذي يضيء عندما نمارس فعل الكتابة بصورة حقيقية، فيبدو الأمر كما لو أننا نحرك القلم بامتداد تلك الأسطر المتتابعة من الرموز.

7- الشعر ينعش ذاكرتنا.

يبدو أن الشعر يثير أدمغتنا بصورة شديدة الشبه بما تحدثه الموسيقى من تأثير؛ فهو يتصل بالنصف الأيمن من الدماغ، وهو الشق المسؤول عن إدارة المشاعر. كما أن الشعر يضعنا في حالة من التأمل والوعي الذاتي، وينعش ذاكرتنا، خاصة عندما نقرأ القصائد الشهيرة التي نحبها. يضيء الشعر كذلك تلك المناطق من الدماغ، ذات الصلة بالذاكرة، وتلك التي تنشط أثناء الاسترخاء. يمكننا أن نطلق على تلك الحالة اسم “النشوة الشعرية”.

المصدر: موقع Bustle الأمريكي

هذا المقال منشور ضمن مبادرة الـ1000 مقال.

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».
تعليقات