الرئيسية / رأي / ثرثرة حول مضاعف الاستثمار

ثرثرة حول مضاعف الاستثمار

اللي يردموه.. يرجعوا تاني يفحتوه

واللي يسفلتوه.. يرجعوا تاني يهدوه

مرة عشان الكهربا, ومرة مواسير الميه، ومرة سلك التليفون ومرة المجاري!

يا مجاري في الدنيا يا مجاري!!

طب ما كانوا فحتوا مرة واحدة، مش بيقولوا فيه لجنة تخطيط !

ثم يكمل أنيس زكى حديثة فى حوارداخلى فيتساءل عن جدوى التقارير التي يطلبها منه مديره فى العمل:

هيا الحكومة ما ورهاش الا التقارير؟!

كل واحد يخاف من المسئولية يكتب تقرير

طب هنعمل أيه بالتقارير دي كلها؟!

لازم فيه حكمة في كده.. آه الحكمة بقى

إن ما دام بنكتب تقارير يبقى هنحتاج ورق

تقوم مصانع الورق تشتغل

ولما تكتر التقارير نضطر نحرقها

تقوم مصانع الكبريت تشتغل

ولما نيجي نحرق التقارير

الكبريت هيولع في هدومنا

تقوم مصانع القماش تشتغل

قصدهم يحصل يعني اكتفاء ذاتي

هذا بالضبط ما يُسمى “بمضاعف الاستثمار”، وعلى الرغم من أن نجيب محفوظ لم يشر إلى مضاعف الاستثمار فى المونولوج السابق ،  إلا أن أنيس زكي، ذلك الموظف المغيب بإرادته، شرحه فى اختصار.

يمكنك أن تقف حائرًا تجاه أنيس زكي، تلك الشخصية الرئيسية التى تُروى الأحداث من خلاله، رجل يعالج شعوره بالهزيمة بتغييب وعيه، صامت ذاهل ليل نهار، يمكن أن تطمئن إليه كما تطمئن إلى مقعد خال، لكنه وسط ذلك يتكلم، ليعبر عن شخص كامن أكثر عمقًا، من السطح اللاواعي، يتحدث دون صوت، وعندما يصدر صوتًا يكون غير مفهوم أو غير مُصدق أو قابل للسخرية من الجميع.. وفى وسط ذلك يطرحنجيب محفوظ على لسان شخصيته الرئيسية بالنظرية “الكينزية” فيبدو العالم بقضاياه ومقتضياته أصغر مما نظن، وكأنه يتلاقى الجميع فى النهاية على اتساع العالم فى مكان بمكان أشبه بتلك العوامة على ضفاف النيل بتباين شخصياتها.

يٌعد “جون ماينارد كينز” أحد أبرز المُنظرين الاقتصاديين فى القرن العشرين، بسبب نظرياته وأفكاره التي شكلت ثورة فيما يخص دراسة وتحليل الاقتصاد الكلي. وبرز اسم كينز مباشرة بعد الكساد الكبير عام 1929، والذي أثبت عدم صحة العديد من نظريات المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية وعدم قدرتها على تفسير كيفية حدوث الانهيار الاقتصادي، حيث يرى كينز أن اقتصاد السوق لا يملك آليات تقوده تلقائيًا لاستغلال كامل الموارد المتاحة، ومن هنا تتواجد احتمالية حدوث بطالة لا إرادية – أي بالإجبار- مما يؤكد على ضرورة تدخل قوة خارجية المتمثلة في الدولة، ومن هنا على الحكومة أن تقود سياسات لدعم الطلب.

وفى عام 1936 طرح كينز نظرياته في كتابه الشهير “النظرية العامة للتوظيف، الفائدة والنقود” والذي عرض فيه مفاهيمه الجديدة حول كيفية عمل اقتصاد الأمم، تلك الأفكار التي جاءت مغايرة تمامًا للفكر الكلاسيكي الذي كان سائدًا فى بداية القرن العشرين، هذه المفاهيم شكلت ثورة في التنظير الاقتصادي، فتكونت مدرسة جديدة في الاقتصاد، ألا وهي المدرسة الكينزية.

ركز كينز في نظرياته على مفهوم “الطلب الكلي” وأهميته بالنسبة لنمو الاقتصاد، فهو يقول أن الاقتصاد ينمو عن من خلال ازدياد الطلب الذي يتزايد مع تزايد الإنفاق واستهلاك السلع والخدمات ما يدفع الشركات إلى الإنتاج وبالتالي توظيف اليد العاملة وزيادة معدل التشغيل داخل الاقتصاد. وهو ما يتعارض مع أفكار الاقتصاد الكلاسيكي التي تقول بأن الطلب يتحدد حسب توقعات المنتجين لحجم الطلب فى المستقبل .

طرحت كينز تفسيرات ومفاهيم جديدة لكيفية تأثير الطلب والاستهلاك، داخل الاقتصاد  برز فيما يعرف ب “مضاعف الإستثمار” أو “مضاعف كينز”، هذا المفهوم الذي تعتمد عليه  العديد من السياسات الاقتصادية في سبيل تحفيز النمو وخلق فرص عمل جديدة.

فبحسب كينز فإن نسبة التشغيل تتأثر بالطلب الكلي داخل الاقتصاد، والذي يتأثر بدوره حجم الاستهلاك وحجم الاستثمار داخل نفس الاقتصاد. وحسب مفهوم “مضاعف الإستثمار” فإن ازدياد حجم الدخل لا ينتج عنه ازدياد في حجم الإنفاق بنفس المعدل، بحيث أن أي تغيير في حجم إنفاق الدولة واستثماراتها في الاقتصاد ينتج عنه معدل تغيير أكبر على الإنتاج الإجمالي النهائي.

ففكرة “مضاعف الاستثمار” تتلخص فى لو أن حكومة في دولة ما قامت بإنفاق 100 مليون على مشروع للبنية التحتية، ستقوم الحكومة بدفع هذا المبلغ لشركة مختصة في إنشاء البنية التحتية، والتي ستقوم بدورها باللجوء للشركات التي ستمدها بالمواد الخام، ولو افترضنا أن هذه الشركة احتفظت لنفسها بمبلغ 20 مليون  كأرباح ودفعت 80 مليون كتكاليف اليد العاملة و شراء المواد الخام من الشركات الأخرى، وستقوم هذه الشركات بدورها أيضاً بدفع تكاليف موظفيها والاحتفاظ بهامش ربحي، في حين سيقوم موظفو الشركة المكلفة بعمل البنية التحتية وموظفي الشركات التي تم الاستعانة بها في إمدادات المواد الخام بدورهم بادخار مقدار من مدخولهم والإنفاق مما تبقى على استهلاك المواد والسلع، التي ستقوم شركات أخرى بإنتاجها وهو الأمر الذي سيقود إلى دورات متعددة من الإنتاج الذي يفوق بشكل مضاعف ما تم استثماره في أول الأمر وبالتالي زيادة مستوى التشغيل ونسبة نمو الاقتصاد .

بعبارة أخرى تقوم الدولة في فترات الركود والإنكماش بدور المستثمر، من خلال تمويل برامج الأشغال الكبرى، حتى تعيد -بشكل غير مباشر- إنطلاق الإنتاج ، فتنتعش بذلك الحياة الإقتصاديّة عبر تحفيز التشغيل في القطاع الخاص، انطلاقا من تشغيل عدد من العمال في مشاريع وطنية.

بل إن كينز قال إذا كانت الدولة فى غير حاجة للمشروعات الوطنية كمشروعات البنية التحتية وغيرها، فعلى الدولة أن تأتي ببعض العمال وتطلب منهم حفر طريق ثم ردمه مرة أخرى وبذلك تبدأ فى تحفيز مضاعف الاستثمار.. فبعمل مجموعة العمال، سيعمل الحداد وصانع أدوات البناء، وبعمل صانع الأدوات، سيعمل النجار، وبعمل النجار، سيعمل الجزار، وهكذا دواليك يخلق حالة من التشغيل داخل الاقتصاد..

وهو ما لخصه الأستاذ أنيس زكي دون أن يدري وهو يقول:

إن ما دام بنكتب تقارير يبقى هنحتاج ورق

تقوم مصانع الورق تشتغل

ولما تكتر التقارير نضطر نحرقها

تقوم مصانع الكبريت تشتغل

ولما نيجي نحرق التقارير

الكبريت هيولع في هدومنا

تقوم مصانع القماش تشتغل

قصدهم يحصل يعني اكتفـاء ذاتي!

عن أحمد النَميس

أحمد النَميس
صحفي، مذيع راديو، باحث فى الشؤون الأفريقية. أعشق التراث الشعبى المصري والمصريين.

شاهد أيضاً

همام في امستردام ..الميكروباص فى مقابل الحب “يا أييا” !

  همام في امستردام فيلم مصري من إنتاج عام  1999  بطولة الفنان محمد هنيدى وأحمد السقا …

اترك تعليقاً