الرئيسية / رأي / تراب الماس.. بين القراءة والمشاهدة

تراب الماس.. بين القراءة والمشاهدة

أحدى عاداتى فى قراءة الروايات أن أتخيل أحياناً الرواية فى حال تحويلها إلى عمل درامى، وأتخيل لبعض الشخصيات ترشيحات من مشاهير الفنانين وأتخيل الأحداث بأدائهم أثناء القراءة.

وحين قرأتُ رواية “تراب الماس” لأول مرة لم تكن فكرة تحويلها لعمل درامى مطروحة بعد، ولم تكن قد انتشرت الرواية وقتها، فلم يكن هناك حديث فى ذلك الحين إلا عن رواية “الفيل الأزرق” وانتشار أخبار عن تحويلها إلى فيلم.

فى السطور التالية ودون حرق للأحداث سوف أحاول سرد انطباعاتى بعد مشاهدتى لفيلم “تراب الماس”:

دور طه حسين الزهار: رأيته فى الفنان أحمد الفيشاوى، ثم فوجئت بخبر أن الفنان أحمد حلمى قد اشترى الرواية، وسيقوم بتحويلها إلى فيلم سينمائى ليؤدي دور البطولة فيه، فتعجبت لغرابة النوعية على الفنان أحمد حلمى، هو ممثل قوى حقًا ومجتهد ومتجدد، إلا أن العمق السودوي الذى يملأ الشخصية كان فوق ما قد يحتمله منه جمهوره الذى ينتظر منه جانب من الكوميديا التى لا تحتمل سوى جزء ضئيل فى بداية الأحداث، وباقى الأحداث تحتاج إلى جدية دسمة على جمهور حلمى.

أما حين صدر الفيلم وقد قام بالدور الفنان آسر يس، قلتها فرحًا “هُوَّ ده”، إذ جسد الشخصية المكتوبة وكأن الدور قد كُتِبَ خصيصاً له.

دور حسين الزهار: فى الحقيقة هذا الدور كان مفاجأة بالنسبة لي، فقد كنت أرى حسين الزهار فى الفنان الراحل محمد وفيق، وحين علمتُ أن المرشح للدور هو الفنان محمود عبد العزيز، ثم الفنان محمود حميدة، انتظرت أن أرى أداء أقل ما يوصف به هو العالمية، وازداد شوقى.

أما حين صدر الفيلم وقد قام بالدور الفنان أحمد كمال، أصبتُ ببعض الإحباط، ليس تقليلًا من شأن الرجل، ولكن حين تُوعَد بطبق من الفاكهة اللذيذة.. فتنتظر التفاح والمانجو والموز، ثم فى النهاية تُفاجئ بعد كشف الغطاء عن الطبق.. أنه برقوق وخوخ فتسمع فى مخيلتك صوت الموسيقى التصويرية – إن كانت هناك واحدة – وهى تتهاوى مثل الشريط حين يتلف أثناء الدوران، وبرغم من أنها فاكهة لذيذة أيضًا إلا أنك تصاب بالإحباط، إلى أن تتذوقها.. فتكتشف أن ما بهذا البرقوق والخوخ من لذة.. أعلى بكثير مما انتظرته من التفاح والمانجو والموز وجوز الهند.

هذا ما حدث معى حين شاهدتُ أداء هذا الفنان الراقى الواعي الموهوب، حتمًا كنت سأشعر بلذة حين يتجسد أمامى أداء محمد وفيق كما تخيلته، وبالتأكيد كنت سأستمتع بقوة وثقل وعالمية أداء محمود حميدة أو محمود عبد العزيز، ولكن ما فاجأنى به هذا الرجل بأدائه الرائع.. زاد على أحساس اللذة والمتعة أحساس الإبهار، مما جعلنى أرتوى من شعورى بالنشوى الفنية.. تحية من القلب لهذا الفنان، شكراً أستاذ أحمد كمال، أمتعتنى بأدائك.

دور وليد سلطان: أشعرني أداء الرائع ماجد الكدوانى بأن سطور الكتاب تمر أمام عينى أثناء مشاهدتي لدوره من فرط ما أجاد فى تجسيد الشخصية المكتوبة، كان متألق كعادته ولا يحتاج منى لكثير من الكلمات.

دور السيرفيس: كنت أتوقع له الفنان باسم سمرة، ولكنه فى الحقيقة لم يكن الدور الذى يضيف له فقد اعتاد الجمهور – إن لم يكن قد مل – مشاهدته فى مثل هذه الأدوار، وهذا ما نجح فيه المخرج مروان حامد حين أسند الدور للفنان محمد ممدوح، فقد أضاف الدور له تنوعًا وهو أضاف للدور قوة.

دور بشرى: الفنانة شيرين رضا.. فعلت بي ما فعله الفنان ماجد الكدوانى فى تجسيد الشخصية المكتوبة.

دور محروس برجاس: حين علمت أثناء تصوير الفيلم أن الفنان عزت العلايلى أحد العاملين فيه توقعت أنه يقوم بدور حسين الزهار، إلا أنه ما كان سوى محروس برجاس، الذى لا يملك فى الرواية سوى مشهدين، إلا أن أحدهما كان أحد المشاهد الرئيسية فى الفيلم، وقد أجاد الفنان عزت العلايلى فى المشهد كما أجاد فى التمثيل بعينيه فقط فى المشهد الثانى له فى الفيلم، أدام الله عليك الصحة والعافية، شكرًا لوجودك فى هذا الفيلم.

دور هانى برجاس: شكل الشخصية مختلف قليلًا عن الشكل المكتوب، والممثل أدى ما عليه.

دور شريف “الإعلامى الشهير”: شخصية مضافة على الرواية، وحين رأيت إياد نصار فى الإعلان توقعت له دور هانى برجاس، لكنه كان قويًا فى أدائه كالمعتاد على أي حال.

دور سارة: الفنانة منة شلبى.. الممثلة الوحيدة التى توقعتها فى الدور أثناء القراءة و صادف قيامها بنفس الدور فعلًا، وقد كانت كعادتها متقنة ومقنعة فى أدائها، تعبيراتها تنم طوال الفيلم عن وعيها بالشخصية المكتوبة خير وعى.

دور عمّة طه: لم أتوقع لهذا الدور سوى واحدة من الممثلات التى اعتدنا عليهن فى مثل هذه الأدوار، إلا أن الفنانة صابرين كانت صاحبة النصيب فى الدور، الدور صغير حجمًا.. لكنه كبير من حيث الأهمية وله دور فى توجيه الأحداث، عن الفنانة صابرين فلن أقول أجادت.. بل سأقول أن الدور كان حقًا بحاجة إلى ممثلة بقوة وخبرة صابرين الفنية.

دور ليتو: الفنان بيومى فؤاد.. أسطورة هذا العصر، ولن أزيد حرفًا.

حسين الزهار “الطفل”: الموهبة التى يمتلئ بها أداء هذا الطفل جعلتنى أوقن بأنه انتهى زمن “هات أى طفل يحفظ الكلمتين ويقولهم وخلاص”، وفى الحقيقة هذا إن دل فيدل على مدى قدرة وحرفية المخرج فى استخراج الدور من داخل الممثل حتى ولو كان طفلًا، وبالنسبة لهذا الطفل فموهوب وذكى وسيكون له شأن كبير مستقبلًا.

الموسيقى التصويرية: قد يتصور البعض أن هذا العنصر له مطلق الحرية فى الشكل الذى يكون عليه، حيث أن عدم وجود عنصر الموسيقى فى الرواية المقروءة يجعلها عنصر غير خاضع للمقارنة كسائر عناصر الفيلم من تمثيل واخراج وصياغة سيناريو وديكورات وخلافه، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فالموسيقى خاضعة للمقارنة، فحين تقرأ تشعر بداخلك بموسيقى افتراضية مناسبة للأحداث، إلى أي مدى كانت هذه الموسيقى قريبة من الموسيقى التصويرية للفيلم؟ هل عبرت الموسيقى عن عمق ما يدور بذهن الشخصيات كما عرفناها أم كانت سطحية؟

والإجابة نعم، فقد أجاد الموسيقار هشام نزيه فى نقل مشاعر الشخصيات وأحداث الرواية إلى مسامعنا من خلال موسيقاه المعبرة خير إجادة.

أما عن السيناريو المحول من رواية إلى فيلم سينمائى فله لقاء آخر بعد انتهاء الفيلم من العرض فى السينما وانتشاره فى وسائل الإعلام المختلفة، حتى لا اضطر إلى حرق الأحداث.

المخرج مروان حامد: أنت مخرج واعي وفنان حقيقي، واستطعت بجدارة نقل الرواية إلى الشاشة كما قرأناها، نقلت أجواءها من السطور إلى التجسيد بقدر عالى من البراعة والمهنية.

وفى النهاية شكراً لكم جميعاً على صنع هذا العمل الممتع..

شكرًا لشركة الانتاج على وعيها ودورها فى تشجيع مُشاهد السينما العادى على القراءة، فما أروعه من دور، ولا ينفى أبدًا كونها شركة تجارية تهدف إلى الربح أنها تستحق التحية والثناء على هذا الدور..

فهناك غيرها من الشركات ممن يستحق أصحابها على دوره فيما ينشره فى المجتمع أن يُعدَم..

ويا حبذا لو كان الإعدام..

رميًا بالتراب..

تراب الماس.

عن رامي ظاظا

رامي ظاظا
غاوى فن
تعليقات