بيتر ماهر يكتب: مسلسل اختفاء والسرد الروائي

مرت الدراما المصرية بمراحل عديدة،بداية من مسلسلات تعرض على التلفزيون المصري لا تتجاوز العشرة حلقات، كانت بالأبيض و الأسود، ثم إلى عصر الألوان، على نفس الأسلوب الشكلي الذي كان معتمدًا على بعض المآسي، الصراع ما بين الخير المطلق أو الشر المطلق بل على نفس الطريقة الشكسبيرية، صارت الدراما المصرية، حتى جاء منتصف الثمانينات من القرن العشرين، فدخلنا عصر (أسامة أنور عكاشة)، أصبح الشر مبررًا و له جذور واقعية، هو عصر الملودراما ،استمرت الدراما تسير على هذا الشكل و النمط، إلا بعض المحاولات التي كسرت هذا القالب، لكن ظلت الطريقة العكاشية في الدراما مسيطرة، حتى جاءت مدرسة (مريم نعوم) الجديدة مع موجة الواقعية السحرية، التي بدأت تسيطر على الدراما المصرية، هذا الخليط ما بين الواقعية بكل المرارة و الفانتازيا.

 

جاء مسلسل (ذات) لندخل عصر الدراما وسيكولوجية الأبطال، أن نفسية الشخص الطبيعي عملية معقدة من الانفعالات والمشاعر ولا يسير على وتيرة واحدة، لإنه إنسان طبيعي يخطيء ويصيب، يحب ويكره، كل ذلك ممزوج في إطار من المحلية التي تؤرخ لمصر بل وتؤرخ لتغيرات الإنسان عبر الزمن.

 

جاء مسلسل (أفراح القبة) كمثال أيضًا  بطريقة مختلفة تمامًا عن كل ما سبقه في الدراما المصرية، عكس آله الزمن وعكس النظريات التقليدية التي كانت تنادي بظهور كل أبطال العمل في أول ثلاث حلقات على الأكثر، لكنه لعب على فكرة إيقاف الزمن ثم إعادة الحدوتة بشكل جديد في كل مرة بطريقة جديدة،  كأننا أمام أكثر من راوي داخل العمل الواحد، نفس هذا التكنيك نعود معه مع رائعة (جابريل جارسيا ماركيز) في ( مئه عام من العزلة) ولا يهم هنا أن تسير الأحداث بالتسلسل الزمني الطبيعي التقليدي، بل تسير بطريقة العودة لنقطة الصفر ولكنها عودة غير خالية الوفاض، هى عودة تدعو المشاهد لمزيد من الاستغراق في الأحداث.

 

يجيء مسلسل (اختفاء) للنجمة (نيلي كريم) هذا العام بشكل مختلف يشبه قطع التسلسل الزمني التقليدي في روايات تيار الوعى، حيث ينقسم الزمن إلى أكثر من جزء الزمن الحاضر وقت سير الأحداث الطبيعية، وهو اختفاء (شريف) الكاتب الصحفي وتحاول زوجته (فريدة) معرفة سر اختفائه.

 

بينما الزمن الماضي الذي يحكى بأكثر من شكل وتتنوع المستويات السردية داخله، من خلال رواية تدعى (اختفاء) يجىء الحكى على لسان بطلة الرواية (نسيمة) والشكل الاَخر على شكل ذكريات باقية أبطال العمل عن ماضيهم.

 

لذلك أصبح الماضي بطلًا موازيًا  يسير جنبًا إلى جنب مع الحاضر، يوجه الأشخاص في اللحظة الاَنية، يظهر وكأنه عبءَ، بل أن البعض منهم يحاول التطهر من أخطاء ارتكبها وتؤثر على الحاضر.

 

عناصر التمثيل :

 

نيللي كريم: كالعادة تلقائية تؤدي الدور بكل امتزاج مع الشخصية التي تؤديها، استطاعت الفصل بين الشخصتين التي تؤديهما بكل ذكاء، لنجدها في الحاضر شخصية متزنة وبالماضي تؤدي دوراً لإمرأة مستهترة، تعيش حياة الحفلات، جعلت المشاهد العادي غير المتخصص يشاهد العمل ويجلس طوال مدة عرض الحلقة مشدودًا للأحداث، فى إطار روح التعاون مع فريق العمل، مع إعطاء مساحة للاَخرين للتعبير عن أنفسهم أثناء العمل.

 

محمد ممدوح: يؤدي أداء السهل الممتنع، دور الشر ولكن بلا رفع حواجب أو توسيع وتضييق الأعين، أو تضخيم طبقة الصوت، بل بأقل الكلام مع القدرة على تطويع الوجه الذي يقول من خلاله سطور.

 

الكتابة:

 

استطاع السيناريست (أيمن مدحت) اللعب على الزمن باحترافية شديدة مع الحفاظ على التداخل ما بين الحاضر و الماضي، و إن كان يوجد بعض التطويل، لكن هذا عيب معظم مسلسلات رمضان كل عام، مع خلق حالة من الإثارة  والتشويق والبحث مع بطلة العمل لمعرفة سر اختفاء الزوج.

 

الإخراج:

 

نجح المخرج (أحمد مدحت) في خلق حالة جيدة على مستوى الأزمنة السردية المختلفة، فلا تشعر بهذا التداخل لقدرته الشديدة على عمل مشاهد في الزمن المعاصر بكل اقتدار، و حتى المشاهد الخارجية في روسيا، كانت مبهرة على مستوى الشكل، ثم قطع السرد اللحظي بمشاهد في الماضي، دون الشعور بتلك الفوارق الزمنية مع الحفاظ على الرومانسية التي كانت سمة مشاهد الستينات في مشاهد (نسيمة) مع زوجها الرسام.

عن بيتر ماهر الصغيران

بيتر ماهر الصغيران
كاتب قصص قصيرة و روائي و شاعر

اترك تعليقاً