الصراع الطبقي كما صوره فيلم THE GREAT GATSBY

 the_great_gatsby_movie-wide
لا تمثل أحداث الفيلم الذي ترشح لنيل جائزة الأوسكار للممثل العالمي ليوناردو ديكابرو مجرد قصة حب ذات نهاية مأساوية بل يحتوي في طياته علي معني أعمق يتناول أبعاد نفسية واقتصادية واجتماعية تخص العلاقة بين الطبقات المجتمعمية .
تدور أحداث الفيلم حول فتي فقير ذو أحلام كبيرة يقع في حب فتاة من طبقة اجتماعية أعلي الهرم الإجتماعي فيغيب سنوات ليصنع ثروة بعدها ويعود فيجدها قد تزوجت ، فيحاول اعادتها وينجح في ذلك علي المستوي العاطفي فقط ، ويفشل في ذلك علي المستوي الواقعي حيث يكتشف أن كسرالحاجز الطبقي رغم تكوينه ثروة طائلة أمر صعب ، وتنتهي الأحداث نهاية مأساوية بأن يفتدي الفتاه ويتحمل عنها وزر حادث سيارة تسببت فيه وانتهي بمقتل بطل الفيلم بعد وشاية من زوجها الناقم علي دي كابريو .
يتناول الفيلم 3 اشكاليات :
1- طموح الطبقات المختلفة في الترقي المجتمعي
2- القيم والأخلاق من منظور كل فريق
3- قدرة الفرد علي تحقيق التوازن النفسي والإجتماعي بعيدا عن الفكر الطبقي
***
1- الطموح الطبقي : فرض المجتمع علي ديكابريو أن يتحول إلي ثري نظرا لحاجته الماسة للقبول من الفتاة وطبقتها الإجتماعية المختلفة عنه ، ولكنه كان لديه استعداد لذلك منذ الصغر ،،، فطموح الترقي المجتمعي مزيج بين هدف نفسي وضغط مجتمعي يجعل من أمر بسيط كزواج شخصين من طبقتين مختلفتين حدث جلل غير وارد ،،،،، الأمر الذي يكتشف ديكابريو في النهاية أنه ليس له علاقة بالثروة ولكن له علاقة بفكر ( التسيد ) و ( الإستعباد ) ،،، حيث تري الطبقة المترفة أنها وكما قال زوج الفتاه الواشي بديكابريو ( انها ولدت مختلفة ) تماما مثل طبقة الملوك والحكام قديما والتي تربط بين العائلات الكبيرة والسمعة بالموقع الطبقي المميز وليس فقط بالثروة .
2- القيم الأخلاقية الطبقية : كالصدق والإخلاص والتفاني والحب كما يراهاالمجتمع عملة الضعفاء والفقراء و مثالية لا يقدرها المجتمع حبيس الفكر الطبقي ، كما أن التكوين النفسي للطبقات المترفة يجعلها أكثر براجماتية وقدرة علي الفصل بين المشاعر والمصلحة الذاتية ، وبين أرض الواقع وأرض الخيال ، وتحل قيم المرونة والترف والتمركز حول الذات محل القيم الأخري ، ويظهر ذلك عندما بكت ( دايزي ) واعتقد ( جاتسبي ) انها تبكي تأثرا بعودتهما ، ولكنها ردت ( لم أري مثل هذه الملابس القطنية من قبل !! ) وكأن تكوينها النفسي ارتبط جزريا بالشعور المادي اكثر من القيمي أو العاطفي !!
كما يظهر زوج دايزي بمظهر اللا مبالي عندما سأله ضابط الشرطة عن حبيبته الفقيرة والتي ماتت في حادث سيارة ….هل تعرفها ؟!!! ،،،، خوفا من أن يتهم في مقتلها قال (لا لا أعرفها ؟!!!) وكأنه يعلي قيمة المصلحة الذاتية فوق الشرف ويعتبر ذلك أمر عقلاني .
وفي نهاية الفيلم وبعد مقتل جاتسبي لم تراعي دايزي كل ما فعله من أجلها ،،،،، ولم تعترف بانها هي التي كانت تقود السيارة وتسببت في الحادث ، لم تبرئه بعد موته وتركت سمعته تتلوث في الصحف ، ولم تحضر جنازته وفضلت ان تهرب وزوجها وبناتها في لمحة اخري من لمحات التغليف العقلاني لقسوة غير أخلاقية .
وليست دايزي فقط من لم تحضر جنازته بل لم يحضرها أيا ممن كانوا يحضرون الإحتفالات الكبيرة التي كان يقيمها جاتسبي للطبقة المترفة ، لم يحضر سوي صديق جاتسبي الوحيد الذي استطاع أن يرصد هذا الموقف الطبقي بإمتياز !!
3- التوازن النفسي والمجتمعي :
استطاع المؤلف ان يلخص الموقف الإنساني المتوازن في صورة صديق جاتسبي ودايزي ( توبي ماجوير )، والذي كان حلقة الوصل بينهما والشاهد علي كل أحداث الفيلم ، والوحيد الذي حضر جنازة جاتسبي والوحيد الذي أعطي له ميدحا صادقا عندما قال (انت افضل منهم جميعا … هم فقط مجموعة من المدعين ) ، وهو يعكس المنظور المحايد والمتوازن والذي ينظر لجوهر الامور متحررا من الإنتماءات الطبقية سواء التسيد للطبقات المترفة أو الإنهزامية لدي الطبقات الأقل ، فهو لم ينظر لثروة جاتسبي ولكنه نظر لتفانيه من أجل قيمة كالحب ، وقيم الأمور بمقياس أخلاقي إنساني بحت وتعاطف مع جاتسبي لتمسكه بقدرته علي الحلم وبتفانيه حتي آخر لحظة ، وحينها كتب قصته بوصفه صديقه الحقيقي الوحيد وتمجيدا للمعاني السامية التي مثلها – رغم تجاهل المجتمع وتشويه صورته – أضاف كلمة THE GREAT
إلي اسمه تخليدا لذكراه !!
لذا استحق الفيلم الترشيح للأوسكار لما اشتمله من مناقشة عميقة لقضية الصراع الطبقي في صورة بسيطة وبإخراج وتمثيل متميزين

عن نيفين توفيق

نيفين توفيق
كاتب وباحث اقتصادي بوزارة التعاون الدولي

اترك تعليقاً