الرئيسية / رأي / الدّين لا يَمتلئ بالذّهب 1

الدّين لا يَمتلئ بالذّهب 1

Diet_of_Worms
“حالما ترنّ العملة في الصّندوق فإنّ الأرواح تتخلّص من العذاب “
قرأتها على لسان  يوهان تيتزل*  الرّاهب الدومينيكانى والمُخوّل بمنح الصّكوك وأنا ألتهم صفحات القرن الخامس عشر التي تخصّ بالتّحديد عصر الإصلاح ، لكنّي أكاد أجزم أنّ الأخير  لم يَتَحَرَّ مزاج السّماء حينما طاوعته نفسه بإدلاء لا أعلم من أين أتى به..!  طفق يغريني- وأنا أقرأ- بوجهه الذي يبدو عليه أثر الشّبع ( حسب اللّوحة المرسومة له )  بالتبرّع ” لكاتدرائية القدّيس بطرس ” إلاّ إنني لم أعطه أكثر من حقّه فى التصفّح وطويت صفحته لأطالع أخرى..
وجدت أمسية ماطرة زادت عيد القدّيسين بهاءاً وحسناً روحياً حطّ على كنيسة القدّيسين نفسها بفيتنبرج .. راهب غامض شاحب الوجه تظهر في عينيه حكمة الصبّار  ، تخطو قدماه في سكينة  إلى باب الكنيسة ، يداه تحملان مخطوطاً أصفر  تبيّنت بعد ذلك أنه مكتوب باللّغة اللاتينية ، وبثبات يُعلّقها على باب الكنيسة. كانت العبارة واضحة تقول :
“لماذا يريد البابا بناء بازليك القدّيس بأموال الفقراء لا بأمواله وأموال الفاتيكان الخاصّة
تعجّبت من ذلك الرّاهب الذي لم يأبَه بما ستجني عليه جُرأتهُ تلك  من تُهَمٍ من نوع الهرطقة والتكفير والتّجديف مثلما يحدث في أيّامنا الآن على يد “اللّحوم المسمومة” ، وانكببت ألتهم الصّفحات لأعلم من هو  ؟ وماقصّته ؟
وهل من الممكن أن يظهر شخصٌ في عصرنا هذا يحطّم الموروثات البائدة المتمثّلة في الكهنة والشّيوخ والذين استعاروا كلمة الله يَلْوونها كيفما وافق هواهم وأتخم جيوبهم وأرضى عنهم السّلاطين…؟
مجرّد شخوص نفعيّة ترتدى عباءة الدّين كاَخر صيحة رائجة في أساليب الخداع ، لكنّي عذرتهم إذ ما نفعهم إن لم يخدعوا النّاس ، إنّ البشر دوماً بحاجة إلى من يخدعهم ..
وسطر تلو الاَخر  يتبيّن لي أن هذا الرّاهب الغامض هو ” مارتن لوثر* ” الذي حدّثني عنه أحد الأُدباء آنفاً في أمسية حماسيّة ، فتذكّرت ولعهُ بالحكي عنه وسعيي للنّهل منه..
أكملت قرائته وأنا أتجاوز الورقة تلو الأخرى لألتهم سيرة ذلك الرّاهب الألماني الذي أحدث أكبر حركة فكريّة ودينيّة في تاريخ الغرب بإنشاء مذاهب البروتستانتية ومبادئ استخدام العقل في الوصول إلى الله ، ونسف فكرة صكوك الغفران التي كان القساوسة يمنحونها لعامّة الشّعب ليلتحقوا بــِ ” جيش الرب ” فيما عُرف بالحروب الصّليبية المقدّسة ضدّ أعداء الله ،ولك أن تتخيّل نوعيّة الهتافات والتوجيهات التي قيلت من أوّل “موتوا بغيظكم” و “ديه عالم ريحتهم نتنة ” إلى الدّعاء لتنمية مشروع الكنيسة القومي الذي سيمنحهم استمارة دخول الملكوت..
امتزجت كلمات “لوثر ” بعبارات الحرّية والليبراليّة كما اتّخذ اللّغة العاميّة فى مخاطبة العامّة والتي كانت سبباً رئيسيّاً فى تحطيم سلطة الكنيسة هى وبنوده الخمسة والتسعين والتي تحدّث فيها عن السّماح بالطّلاق وشرعيّة زواج القساوسة و حقّ المسيحي بالصّلاة من غير كاهن وأن يحتفظ بنسخة من الانجيل إلى آخر هذه البنود..
لكن ” يوهان ” ومؤيّديه أنكروا عليّ وأنا أقرأ في تاريخهم -المُـلبّد بالنّصب والتزوير-  مأربي وأقسموا  لي  برأس القدّيس بطرس أنّهم لم يمسّوا ملّيماً واحداً من التبرّعات وأخبروني أنّ الكفن بلا جيوب وماذا سينفع العبد حين يأكله الدّود وأشياء أخرى من هذا القبيل.. فأشفقت صراحةً عليه وأخرجت من جيبي جنيهاً فأخبرني  أنّ القرن الخامس عشر لم يعرف العملات الورقيّة بعد ، لكنّه همس بخبث أن أعطيه بعضاً من الذّهب ، إنّ قيمته باقية على كلّ حال ، على أن لا أُحدّث أحداً بذلك ومن ناحيته سيمنحني بركة القدّيس بطرس – الوغد يظنّ أنّ بإمكانه بيع التروماي لي – لكنّي أخبرته أنّني لست دهب ) لأشتري بالذّهب بركة القدّيس بطرس ،   العم- Uncle Scrooge)
وأنّني سأبتاع بالجنيه رغيفاً يمنحني الشّبع..ولينعم هو و بطرس بالبركة خاصّتهما
سيخبرني القارئ بأنّ الموحِدانية أنكرت الصّكوك وأن دور العبادة ليست وراءها سلطة روحيّة  ولا يحتاج الشّخص لكاهن ليُخلّص نفسَهُ وأنّ هذا ماض ولّى ، وأفكار نُسِفت ، لكن هذا لم يفتت في عضدي .. تعلم لِمَ؟
لأنّ التجربة عادت ناصعة لتطلّ علينا بكل تفاصيلها..
فما الفرق بين صكوك القساوسة وشفاعة الشّيوخ  ..؟
ما الفرق بين التّجديف على البابا و لحوم العلماء المسمومة..؟
عادت لنكتفى نحن بتأدية الأخطاء نفسها كما يجب أن تُؤَدَّى ، فتكون شفاعة لنا – هل قلت شفاعة؟ – فلا نوصف يوماً بالتقصير و الإهمال ،
إن فساد التّجربة يعتبر ثورة ..والثورة فى بلـدي مُحرّمة قبل أن تكون مُجَرَّمَة.
يتبع ..

________________________________________________________________

يوهان تيتزل (¹*) : راهب الماني و واعظ دومينيكاني من الروم الكاثوليك , و كان المفتش الاكبر لـمحاكم التفتيش على بولندا و بعدين بقى مانح لـصكوك الغفران فى المانيا. تيتزل مشهور تاريخياً بتهمت بيع صكوك الغفران للناس مقابل فلوس.

مؤسس مذهب البروتستانتية ، وهو راهب وبروفسير في اللاهوت:   (²*)مارتن لوثر

من أهم إنجازته ترجمة الانجيل وزواج القساوسة وشروعية الطلاق ونسف فكرة صكوك الغفران ، ولد 10 نوفمبر 1483 – مات 18 فبراير 1546

عن أحمد عبد الفتاح

أحمد عبد الفتاح
مدون مصري

شاهد أيضاً

محمد صابر: ديواني يتناول قضية الشعر نفسه وتوصيلها للجمهور أمانة #حوار

تحدث من خلال قصائدة عن ذاته وحواء و الحياة والفن والشعر والعتاب والحب و الوجع …

تعليقات