“البوسطجي” بين خيالي السيناريست والقاص

يُعد “البوسطجي” أحد أهم أفلام السينما المصرية، ضمن قائمة أفضل مائة فيلم عربي بالقرن العشرين. أخرجه المخرج الشاب آنذاك “حسين كمال” مما يعتبر مرحلة جديدة من الواقعية ما بين المعقول و اللا معقول، حيث استعار بعض من الواقعية السحرية الروائية.

وكتبه الروائي الكبير “صبري موسى” الذي قدم عددًا من سيناريوهات الأفلام ، كان أشهرهم  على الإطلاق البوسطجي، المأخوذ عن واحدة من المجموعة القصصية “دماء و طين” للكاتب الكبير “يحيى حقي”، الذي يعتبر أحد رواد الفن القصصي المصري الحديث، تضمنت المجموعة ثلاثة قصص طوال، أولها القصة التي حملت عنوان الفيلم، بينما القصة الثانية “قصة في سجن”، والثالثة بعنوان “أبو فودة”، أظهرت القصص غوص الكاتب في أعماق صعيد مصر، لدرجة تشعرك بأنه ولد به.

وكتب حقي في مقدمة المجموعة عن تلك التجربة “وكان من حسن حظي أنني قد عشت في صدر شبابي في الصعيد، فأتيح لي أن أطل على بعض أسراره، ثم تغربت عن مصر، كان خليقًا بي أن يشغلني الجديد عن القديم، لكني وجدت نفسي أجتر على مهل ذكرياتي عن الصعيد كأنني لم أفارقه”.

عندما نحاول معرفة الفروقات ما بين السيناريو والقصة الأصلية والمجهود الذي قام به موسى، نجد أنه حاول إقامة مجتمع كامل داخل القرية التي دارت بها أحداث القصة “كوم النحل”، حتى ما ذكره الكاتب سريعًا داخل الأحداث عمل السيناريست هنا على إعادة صياغته، بل وصياغة بعض الشخصيات التي لم تكن موجودة بالقصة.

قامت القصة على سرد “عباس البوسطجي” إلى صديقه “حسني” لما حدث له داخل القرية حتى حادث مقتل “جميلة”، بينما بالسيناريو احتفظ بكل شيء لنفسه.

كما وسع السيناريو دور “فراش البوسطة”، جاء كرقيب على “عباس البوسطجي”، عبر عن الشريحة الأكبر  لتفكير أهل القرية من خلال شخصيته، ترجمة لعقلية الفلاح الذي يدخل منزله بعد أذان المغرب وينام بعد العشاء ليستيقظ مبكراً، كل تلك الصفات قربت إلينا شكل الصعيد في تلك الحقبة من القرن العشرين، حول مكتب البريد إلى مكان لتربية الدواجن داخل الفيلم قبل مجيء المسئول الجديد.

وبينما قامت القصة على محور الملل الذي شعر به عباس فقط، عمل  السيناريو على توسيع فكرة الملل الذي تسلل إلى الكثير من فلاحي القرية حتى أنهم يذهبون إلى “الغازية” ليلًا، وتبدأ الفرجة عليها و الغناء على رقصها ؛ ليصور مدى احتياج عيون فلاحي القرية لتلك المرأة، ثم عبر في مشاهد تالية عن محاولات عباس في تحقيق المتعة و كسر الملل من خلال إقامة علاقة معها، لتأتي مشاهد عن الازدواجية القائمة بعقلية المصري، عندما ذهبت الغازية إلى بيت عباس، ذهب الفلاحون وطردوها من بيته.

حافظ السيناريو بشكل كبير على الثلاثية الرئيسة التي كانت بين البوسطجي وجميلة بطلة القصة العاشقة المقهورة و العاشق المظلوم “خليل”، بين شعوره بالملل وهو أبن القاهرة التي تعج بالحركة، وبين تجسسه على خطابات أهل القرية في محاولة منه البحث عن قصص مسلية، حتى وجد قصة جميلة وخليل، و علاقتهما غير الشريعة، التي أدت بدورها إلى حمل غير شرعي، حافظ السيناريو  على هذا للمسار للقصة الأصلية فيما بعد، عندما لم تصل جوابات العاشق إلى العاشقة، فماتت بنهاية القصة مقتولة، بينما هو لم يكن قادرًا على تحمل إحساسه بالذنب الشديد.

وعبر يحيى حقي عن رأيه بالسيناريو حيث قائلًا “دعوا القصة جانبًا، الفيلم عمل فني مستقل بذاته، أننا نحاسبه من داخله لا من خارجه” مضيفًا عن السيناريو “أنا لا أملك إلا الثناء عليه، إذا كان تسلسل المشاهد وتركيب بعضها فوق بعض يسيران باتصال مقنع ومريح لا يقطعه خلل أو غموض أو حشو لا طائل منه”.

عن بيتر ماهر الصغيران

بيتر ماهر الصغيران
كاتب قصص قصيرة و روائي و شاعر

اترك تعليقاً