الرئيسية / رأي / الباحثون عن الأمل

الباحثون عن الأمل

في لحظة غضب قد يقولون لك إنهم يتمنون لو كانوا لا يسمعون شيئًا من هذا العالم. وربما تكون قد تمنيتَ ذلك أيضًا. لكن دعني أخبرك شيئًا عن الكثيرين ممن يعيشون هذا الوضع، متصالحين مع الأمر ومتقبلين عدم قدرتهم على سماعك. نحن لم نختار أن يصمت العالم عنا.. ربما هي نعمة تمناها البعض، وربما تكون نقمة للبعض الآخر.

عالم من الصمت يسود أذنيك، لا شيء يثير فيك حماسة ولا شيء يستفزّك، لا مقطوعة موسيقية تثير حدسك فجنونك فتطلق العنان لخيالك، ولا آية تسمعها فتثير فيك خشوعًا وتأملًا. العالم بالنسبة لك أشبه بفضاء شاسع ليس له مدى، مستوى واحد سائد، لا يعلو فيه صوت ولا ينخفض، كما اللاشيء.

هو شعور يصعب وصفه حين تسمع بعينيك، تقرأ شفاه الآخرين وتعافر لتفهم ما يقولون، ذلك قبل أن تربطنا بالعالم آلة صغيرة أطلق عليها “السماعة الطبية”، أو قوقعة ترتبط بها أيضًا لكن بطريقة أخرى. البعض فشلت معه السماعة والقوقعة، فأصبح العالم الصامت صديق مخلص لهم، رفيق في كل الأوقات، يتفاعلون مع العالم بالإشارة، يخبرونك كل شيء بأيديهم، يتكلمون بها وينتظرون منك أن تحدثهم كما يتحدثون إليك، فتفاجئهم بمغادرتك لهم.. ترحل لأنك لم تفهمهم. وبذلك تخبرهم أنهم وحيدون، ليس لهم مأوى في أي مكان يخصك..

دعني أخبرك أننا أكثر مما تتخيل.. ويحبطنا أحيانًا كيف تخذلنا كلماتنا، أو التأتأة التي تأتيك منا لتخبرك أن الكلمات تخذلنا، تؤخرنا وتلعثمنا، وتعجز عن التعبير عما نريد، فنثير سخريتك، لنصبح مصدر سخرية لشيء خذلنا بسبب ظروفنا.

ارتبط السمع بالكلام، وارتبط عند الناس فقدان السمع أيضًا بالكلام. يطلقون علينا “الصم والبكم”، ولدينا حناجر لو نطقت قلبت العالم وأخرجته عن صمته. لا نعلم كيف يلقبوننا بالصم والبكم؛ نحن الصم وضعاف السمع.

نسمعكم بطريقتنا ونتواصل بما يليق بنا ونقدر عليه، ولا تشعرون بنا وبعجزنا عن سماعكم في كثير من الأحيان. تعودنا أن نواري فشلنا في الاستماع إليكم، ونتوه من موضوع لموضوع.. نحواركم ونسمع حديثكم ربما خطأً في كثير من الأحيان، لكن لا نعلن استسلامنا لذلك، بل نحاول.. لا نسلم ولا نستسلم.

نتمني في بعض الأحيان لو أن نسير مثلكم في الطرقات حاملين سماعات الآي بود أو الهاتف المحمول، ندندن لأنفسنا أو نستمع لما نرغب فيه. ولعل بعضنا يحلم أن يسمع رنين هاتفه ويسمع من يحادثه على الطرف الآخر من خلال سماعة هذا الهاتف اللعين.. وهو اختراع سهّل على العالم الكلام، لكنه أشعرنا جميعًا بما نفتقده في هذه الأوقات. في حين تصل إليك مكالمتك ببضع كلمات منطوقة، نضطر نحن أن نشرح هذه الكلمات كتابةً أو بمكالمة فيديو يشاركنا فيها كل السائرين إلى جوارنا، دون احترام لخصوصية أو رغبتنا ألا يشاهدنا أحد.

نعافر وحدنا لتخطي كل حواجزكم، وسخرية البعض أحيانًا، وتعنت أنظمة التعليم معنا، وفشلنا في أوقات كثيرة أن نصرخ غضبًا مما نتعرض له، أو تهيئة هذا العالم لفهمنا.. فتصالحنا مع وضعنا. حين أدركت ذلك، سألت الآخرين عن أكثر ما يحتاجون إليه، علنا نستطيع مساعدة صغارنا من الصم وضعاف السمع.. فأخبروني أنهم يبحثون عن الأمل.

ويالها من مهنة صعبة أن تكون من صناع الأمل. يُطلب منك إخبار هؤلاء كيف اجتزت العقبات وتخطيت حواجز المجتمع، ووصلت إلى ما وصلت إليه. وسؤال ينقلنا لسؤال، عن كيف ولماذا وأين ومتى، وعن الأسباب، علنا وقتها لم نحسبها. كنا نرغب أن ننجح، ولم نجد غير القليل من الدعم، لكننا عافرنا. آمنّا بأنفسنا وصدقناها، وتيقنّا أن لا شيء يغير حالنا للأفضل غير المقاومة. أغلقنا كل أبواب الاستسلام بمفاتيح ألقيناها في غياهب بعيدة حتى لا تدركنا ولا ندركها.

الكثير ممن يكتبون عن الأمل لم يعيشوا حياة مختلفة كتلك التي عشناها، كثير منا يبحثون عن الأمل وسط العتمة، لكن في النهاية قليلون فقط هم من يجيدون اقتناصه. فامنحونا فرصة بدلًا من التجاهل، فرصة قدر اجتهادنا لتغيير العالم للأفضل. لنقوم بدورنا على أكمل وجه، لا ينقصنا غير محاولتكم تقبلنا.

تقبلونا بعيوبنا قبل مميزاتنا، تقبلونا في أسوأ حالاتنا وأحسنها، فكل كلمة تحمل لنا خيرًا لا ننساها. لا نريد من هذا المجتمع إحسانًا ولا شكورًا، بل نريد أن يكون لنا الحق في القول والفعل، الحق في أن نندمج في المجتمع بالشكل الذي يليق بنا، في مساحة تليق بأحلامنا، الحق في طريق نسير فيه إلى جواركم حاملين راية الأمل. لسنا في مقابلكم.. احترموا اختلافنا، تحصلوا على احترامنا كاملًا.

وعلني أرغب أن أحكي مزيدًا من التفاصيل، لكني سألخص الأمر في جملة إن أدركتم تفاصيلها كسبنا جميعًا، وإن تجاهلتموها أدركتكم الخيبة، لا لشيء غير أنكم تخسرون من قوتكم، تخسرون جنودًا مخلصين يساندونكم في معركة الحياة.

اطرقوا الأبواب معنا لإفساح المجال لأحلام الصغار. امنحوهم مساحة من الأمل، بصيص من النور يخبرهم في كل دقيقة أنهم قادرون على إحداث تغيير باختلافهم، وأنهم ليسوا منبوذين ولا مرفوضين لاختلافهم عنكم. أخبروهم أنهم شركائكم في الوطن، شركائكم في الحياة، شركائكم في الحلم. فلا وطن يبنى بالبعض دونًا عن الكل. كونوا لهم عونًا ولا تكونوا لهم ندًا.

 

عن أحمد ممدوح

أحمد ممدوح
مدون، ساهم في تأسيس مبادرات "صوتك ونس"، و "أنا كمان عاوز أعمل خير".

اترك تعليقاً