أوربان الثانى وبطرس الحافى وشيوخ الفتة 2

Diet_of_Worms
شد ما أثار في نفسي الحنين ها هنا وأنا أتسكع في نواحى بلدية ” كليرمون” الفرنسية الهادئة بين أبُهة الحاضر وعراقة الماضى، لم تكن معرفتي الاولى بها ، قرأت عنها كثيراً من قبل ، أحداثاً صاخبة دوت فى عقلي كوميض اَلة التصوير أتت في مشهد بعُثت فيه الحياة من جديد حتي إنني حاولت أن أستشعر الدفء من برودة تلك الليلة الماطرة التى وقف فيه البابا أوربان الثانى بوجهه الابيض الذي نافس لوحات القديسين هيبةٍ وحكمةٍ اللتان رافقاتان عينتيه حتي استطابا لهم سُكنتيهما ..
على رأس القادمين من نواحى فرنسا وقف مخاطباً إياهم أن يهبوا لمساعدة ” المسيح” عازمين أشد العزم على أن يغزو الشرق ليغسلوا اَثامهم بدماء الكفار (يقصد المسلمين ) .
” قل نعم تجـلب النعم  ” من قائل هذه العبارة ..!
(1)
“سوف يتم غفران ذنوب كل أولئك الذاهبين إلى هناك، إذا ما إنتهت حياتهم بأغلالها الدنيوية، سواء في مسيرتهم على الأرض، أو أثناء عبورهم البحر، أو في خضم قتالهم ضد الكفار وهذا الغفران أمنحه لكل من يذهب الي هناك بمقتضى السلطة التي أعطاني الرب إياها فمن لم يحمل صليبه ويأتى ورائي فلن يستطيع أن يكون تلميذي “
هكذا ألقي ” أوربان ” عباراته بكل وضوح وقد بلغت منه الحماسة كل مبلغ مستجلباً مشاعر بسطاء المسيحيين ، فمن منهم تأبى قدميه تلبية نداء الرب !
إنها دعوات جديدة من نوعية “إقتل بأسم الرب” و ” أطعن تنعم ” فطوّع قلوب المساكين الذي وجد الفقر مكاناً متسعاً في عقولهم كما وجد الجهل في بعض القساوسة والرهبان مكاناً رطباً يسكن إليه..
فيصيح الجمع بحماسة لم يتوقعها هو نفسه :
الرب يريدها ..الرب يريدها (يقصدون عكا )  لكن الرب الذي زعموا إنه يريدها  كان يعلم جيداً أن شخصاً اَخر هو الذي يريدها ، شخصاً غير أوربان نفسه .
(2)
لم يتيه عن ( بطرس الناسك) أن يستجلب الرهبنة والقداسة في عيون مريديه والذي أثر أن يخطو حافياً تملقاً للفقراء ليُعرف بعد ذلك بــ( بطرس الحافي )
وألح بصوته الاخّاذ أن يستميل فيّا الحماس- يكأني فيهم – كما بعثه في قلوب العوام فما أيسر أن يذعن العوام لرجال الدين ، لكنني تنبهت من لؤم وسيلته لأخبرهُ أن الحنجورية ما عادت تغويني ، فيُشيح بوجهه عني في أنفة ولايلق إلي بالاً ، إن أعداد من يستتبعهُ كُثر علي كل حال ، وطفق يحدثهم عن ثراء بلاد الشرق ليتملق صراخ الامعاء لبعض كفاية و توق الاحلام لاَمال التحقيق ، فيذيد بحبكه دينية :
– من سيموت على هذا سيُمنح الخلاص والغفران ..!
وسار ورائهُ من الفقراء والمحتاجين والجهلاء أكثر من مئة ألف فرد حتى سُميت بحملة البسطاء اَن ذاك ..!
لكن أولئك لم يعلموا أنه إستخدمهم – كأي رجل دين يستخدم مريديه مادة إستعمالية لبلوغ  مـاَربهُ – ليكُن له مجداً شخصياً ، أنتهى برئاسته كنيسةٍ أسسّها هو بفرنسا قبل أن يمسك أموال النذور..!
ولو علموا بغيتهُ لصنعوا منه حساءاً شهياً يغمّسوه بصكوك غفرانه الزائفة ، بعدما أنهى حياتهم ما بين قتلى على يد السلاجقة أو عبيداً للبلقان.
الوجه الاخر للعملة
(1)
وبعد ما يزيد عن تسع قرون تظل الامور سيئة كما هي ، لكن هذه المرة من يدير اللعبة هم المسلمين أنفسهم ، فيخرج منهم من يتحدث بلسان الله ويصدر فتاوى بالقتل والذبح والحرق وكله بما يرضى الله ليصنعوا بتابعيهم ما شائوا أن يصنعوا ، وأن يتحكموا فيهم ليصلوا إلى ما شائوا أن يصلوا، فيظهر بطرس اَخر لكنه بلحية وعبائة بيضاء يتبعه مريديه في ساحات اَخرى غير ساحات ” كلير مون”..
” نعم في الجنة ولا في النار ” هل سمعتها من قبل ..!
نزل من سيارته الفارهة تتبعه الحشود و تخمته المفرطة تكاد تخدعك أينما كان يجلس يمين العربة أم يسارها ..!
حتى إنه لم يتح مكاناً كافياً لزوجاته الصغيرات من الجلوس بإريحية..
ألقي نظرة عابرة إليهم- أقصد جمهوره – ويداه تداعب لحيته الشعثاء إنه يريد أن يذكرهم أن لحيته أطول وذا اللحية الاطول ينُصت إليه ، خاصة لو كانت بيضاء ناصعة تسر الناظرين، ثم أتجه إلى المنبر بين هتاف مريديه بإنه  إمام المسلمين وأسد الدعوة …الخ
وقف ( شيخ الفتة ) يحدثنا عن غزوة الصناديق والابتسامة تعلو سحنته ، يدفع مريديه للقتال من أجلها ومن يمت فهو شهيداً والخروج فيها جهاداً و وقف يكبرّ تكبيرات العيد ويدعوا خصومهم ” الكفار ” كما أسماهم بقطع تذاكر إلى كندا وغيرها فالبلد بلده الان وسيقاتلهم حتي يتركونها خاوية علي عروشها ..
– من باب العلم بالشيء هذه النوعية التي يطلق عليها اللحوم البسبوسة – هل قلت مسمومة – التي وإن تحدث عنها مُحادثاً أصبح من الروبيضة المهرطقة يجب أن يوضع  في بوطقة مليئة بماء المخلل ..
ثم يختم  خطبته  بــ” اَداب دخول المرحاض باليسار ”  الذي يعتبره هو من جوهر الدين وعماد الاسلام ، وأن التخلف عنه معصية تقتضى كفارة يدفعها في صندوق مسجده..
بالمناسبة كان لي صديقاً شيوعياً عندما سمع منه ذلك دخل المرحاض بنعل أحمر وتحت ابطيه مجلد ماو تسي تونج .
(2)
ملتهباً علي منبر المسجد يستشهد بالايات ويأمر مستمعيه بقتل من يخالفهم، فالدين معكم والرسول معكم والله معكم ،إضرب في المليان ولا تأخذك بهم رحمة ولا شفقة ، طوبي لمن قتلهم وقتلوه ، من قتلهم كان اولى لله منهم ، إن ريحتهم نتنة في الظاهر والباطن ويجب أن نطهر البلاد من ريحتهم ، والحقيقة انني لم أفهم ما يرمى إليه الشيخ هل أقتلهم لرائحتهم النتنة أم لانهم معارضين ، لو كانت على الرائحة يا مولانا فيمكننا أن نضع أصابعنا علي أنوفنا و( يا دار مدخلك شر) و (اصبر على جارك السوء  لحد ما ترحل رائحته ) أما لو كان القتل من أجل المعارضة فأنا أخشى أن يبدلوا  طريقة الانتخابات فتصبح من التصويت إلي التصويب .
*        *        *
سيخبرني القارىء أن الوقت لم يعد له وقتاً ليُصلح ما أفسده أولئك وهؤلاء ، وأنك تؤذن في ملطة لكننا حتي ولو وصلنا لمرحلة التأذين في ملطة فــ على الاقل أن نصفع أفكارهم علي قفاها فمثلى لا يكتفى بالشجب والندب وشق العباءات ويحاول جاهداً أن يقاتل في معركة جيل ضد كل من يتاجر بلا أن يجد أي غضاضة في إنفاق أرواح وعقول من الممكن إدخارها في بناء كيان فكرى يسعي ما أستطاع السعي أن يخطو الساق بالساق نحو عصر إصلاحٍ حقيقياً يشبه العصر الذي أسسه ”  مارتن لوثر ”  كما  ذكرنا في الجزء الاول ، و ليس ما يتغنى به أوربان  و بطرس و شيخ فتة
لقراءة الحلقة الأولى أضغط هنا

عن أحمد عبد الفتاح

أحمد عبد الفتاح
مدون مصري

شاهد أيضاً

في ليلة من الليالي.. (قصة قصيرة)

وليست كأي ليلة..فقد طلبتُ مِراراً في أعوام مضت، لطالما كنت أطلب وأطلب ولا أعبأ بالإجابة.. …

اترك تعليقاً