الموت

لا أعرف ما الذي جعل مسألة الموت طبيعية، أقبلها بهدوء، وأحيانا بابتسامة غير ذات معنى
لا أعرف ما الذي جعل مسألة الموت طبيعية، أقبلها بهدوء، وأحيانا بابتسامة غير ذات معنى

لا أحب حضور الأفراح، أراها متكلفة، يناسبني تماما الجلوس منزويا في أحدى دور المناسبات اتأرجح ما بين سماع تلاوة قرآنية واجترار تخيلاتي عن الموت، أكثر من الوقوف مرتبكا ومنزعجا وسط دائرة من الراقصين.

منذ أن قال لي صديقي الأربعيني أننا في الجنازات ننعي أنفسنا أكثر مما ننعي الفقيد، اعتدت مراقبة المعزين كلما أديت هذا الواجب، يزيد أنتباهي لتصرفاتهم عندما يتعمد المقرئ استعراض قدراته الطربية فيعيد التلاوة بمقامات مختلفة فيحتجب المعنى خلف النغم.

تبدو جميع تصرفاتهم متوافقة مع تفسير صديقي، هز الرأس بأسى، الحملقة في الأرضية عديمة اللون، جذب الأنفاس ببطء من سيجارة تحترق بسرعة كأيام العمر، وأرتشاف المر من فنجان القهوة السادة دون امتقاع الوجه أو أصدار صوت، تماما كما يفعلون في حياتهم اليومية.

يتصادف أن تكون تلك الليالي هادئة، أو هكذا أظن، ربما أخرج من العزاء تغلفني طبقة من عازل ما تفصلني عن صخب المدينة التي لا تهدأ حتى مطلع الفجر، تأخذني أقدامي إلى شوارع لا تؤدي إلى المنزل، وأحيانا لا أعرفها، أدور حول الكتل الخرسانية التي تحجب السماء، تدور حولي ذكرياتي عن الموت.

كنت طفلا عندما مات أبي، لم يخبرني أحد لكنني عرفت، لا أذكر أنني بكيت، عندما سألتني الجارة لتتأكد أنني تلقيت المعلومة وبدأت أتعامل معها كأمر واقع كان العمال ينصبون صوان العزاء، رأيتهم من شباك بيتها، وقلت أنني أعرف ماذا يعني هذا.

كنت في الاعدادية عندما دخل مدرس اللغة العربية ليخبرنا أن “مستر جابر الله يرحمه”، كان مستر جابر شابا صعيديا يدرس لنا الرياضيات، ويعاني من صداع مزمن،جعله يغيب شهرين قبل وفاته عن المدرسة، بكى كثير من الطلبة، ولم أفعل.

لم أشعر بالغضب أو الحزن على أحد الراحلين إلا مؤخرا عندما أرتبط الموت بالقتل أو الأهمال، رخص الدماء، واستغلالها.

لا أعرف ما الذي جعل مسألة الموت طبيعية، أقبلها بهدوء، وأحيانا بابتسامة غير ذات معنى؟ ما الذي جعلني أحسد الراحلين على رحلتهم الأخيرة والغامضة؟ أتمنى عودتهم لأسألهم عن أسرارها!

كان ذلك قبل أن أشعر بأن الموت هو الخلاص من الزيف، عندما كنت أريد أن أموت لأراقب الحياة من بعدي، هل تستمر؟ كيف تستمر؟ وكنت أرى في رحلة الموت المؤجلة إجابات محجوبة عنا في الحياة.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (6): حياة البرزخ الأولى

– «ينفع أقول لك يا ماما؟» – «لا يا حبيبتي. إنتِ عندك ماما واحدة بس.» …

اترك تعليقاً