الحياة ظرف استثنائي

المترو نموذج مصغر لحياة استثنائية بنعيشها
المترو نموذج مصغر لحياة استثنائية بنعيشها

في المترو، آخر مرة رجعت من الشغل، كنت على اعتاب مرحلة جديدة ومجهولة وبتغير ترتيب واولويات حياتي ومستقبلي، خلال 6 محطات لقيتني بافتكر الاستيتوس إلي كررت كتابته مئات المرات خلال السنتين الاخيرتين على الاقل.

 

المحطة الأولى:

 

ركب معايا ناس كتير من نفس محطتي المكسرة، بسبب الاصلاحات، جري معظمهم على الكراسي، واستقروا كأنهم قاعدين للابد، في الوقت إلي اتعلق إلي فشل في القعاد بالايد المدودة من السقف، وبعضهم حاول يغفلوا شوية وهمه قاعدين أو متعلقين.

 

وبتأمل مستغرقش ثواني، افتكرت الحكمة المصرية الشهيرة: دنياااا .. لا بتخلي الماشي ماشي، ولا بتخلي الراكب راكب، شيء من هذا القبيل جاه في بالي لما شوفت القاعدين والمتعلقين في الحياة عموما، وهمه باختلافهم جميعا مش مستريحين، في طبيعة الحياة المتعبة، وبيحاولوا يحصلوا على اكبر قدر ممكن من الراحة يقدروا عليه!

 

المحطة التانية:

 

بشكل كبير، اثر فيا مسلسل حديث الصباح والمساء، لأنه بنص الاديب العبقري نجيب محفوظ، لمس اعمق احساس عند المصري بأن لكل راكب محطته إلي بينزل فيها، لكن القطر هيفضل ماشي مهما نزل منه ركاب إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

 

في المترو، نادرا ما قعدت، بسبب منطق قريب من ده، لأني عارف أن مهما محطتي بعدت عارف أنها قريبة برضه بشكل ما، لكني بشكل او بآخر باستقر في المترو وانا باراقب الركاب واكون حوليهم القصص وقصص نزولهم واحد ورا التاني وقصص محطاتهم، وعارف أن القصص هتستمر في المترو حتى بعد ما بنزل منه في محطتي.

 

المحطة التالتة:

 

على الرغم من الايقاع الثابت للمترو، لكل قصة راكب باتخليها فيه ايقاع مختلف، عن اي راكب تاني، لكن امرين او تلاتة مشتركة في معظم القصص:

 

الركاب ديما عارفين ديما أنهم نازلين في محطة ما، الركاب متأكدين أنهم مجبرين على تمضية وقت مهما كانت محطتهم قريبة، مش قليل في المترو ده.

 

عشان كده كل واحد بيعيش الوقت ده بطريقة تختلف عن التاني، بناءا على إدراكه للمسلمتين دول، فتلاقي واحد ماسك مصحف وبيعتبره عداد حسنات، وواحد ماسك موبايل عشان ميضيعش وقت ميشتغلش فيه، وناس قاعدة بترغي وناس متحفظة وبتفكر، وشباب بيزعقوا ويهرجوا بدون اهتمام بالناس إلي مش هيشفوهم تاني.

 

واستنتاج قصص الناس ديه خارج المترو اسهل بكتير من مشاهدة آدائهم جواه، إلي بيكشف لك بانهي شكل بيفسروا الحديث الشريف ( .. كأنك تموت غدا … كأنك تعيش ابدا .. ) !

 

المحطة الرابعة

 

بيلفت نظري اكتر، إلي بيكون قدره في رحلة المترو أنه يكون وحيد، اغلب الناس في الحالة ديه بيأخذهم تفكير عميق لدرجة ممكن تخليهم ينسوا همه فين، باحس انهم بيفكروا في إلي فاتوه في المحطة إلي ركبوا منها، في المحطات إلي عدوا عليها وعدت عليهم.

 

انواع مختلفة من التعبيرات باشوفها على وشوشهم، مابين القلق، والحزن، والسخرية، والاستهزاء، والابتسام الغامض، كانهم بيعيشوا إلي بيفتكروه تاني، بس مع استخلاص الحكمة، وطعم التجربة.

 

المحطة الخامسة

 

ممكن انزل في المحطة الخامسة، نفس المسافة إلي هاقطعها من محطة المترو الخامسة لبيتنا، نفسها من السادسة لبيتنا، لكن زي أي حد تاني في الحياة، بيبقى فيه مليون سبب أني اتمسك بالبقاء ولو لمحطة واحدة زيادة.

 

المحطة السادسة

 

قراري بأني ارصد واراقب كل إلي بيحصل في المترو، مكانش بالصدفة، وانا نازل في آخر محطة، باشعر أن ده السبب الخفي من ركوبي المترو، سبب غير معلن، سبب مقررتوش، لكنه قدري ودوري، زي باقي ركاب المترو، قدرهم ودورهم انهم يركبوا المترو عشان كل واحد يمثل دور في حياة التاني بشكل او بآخر، لفترة معينة وبعد كده كل واحد يمضي لحال سبيله، عشان تتكرر حكايات تانية وتالتة في المترو إلي بيحمل ركاب، وبينزل ركاب كل لحظة في كل يوم.

 

وقدري أنا ودوري … أني اشوف وأحكي كل إلي بيحصل في المترو، كل ما اركبه، في نموذج مصغر لحياة استثنائية بنعيشها !

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

اترك تعليقاً