الرئيسية / يا رب أهلي والمجتمع والناس / القضية الفكرية للقطة البرازيلية

القضية الفكرية للقطة البرازيلية

يعني انتوا دلوقتي عايزين ايه، تاكلوا قطط
يعني انتوا دلوقتي عايزين ايه، تاكلوا قطط

من الأفكار التي تقف حاجزا أمامي قبل كتابة أي سطور، إمكانية وصول افكاري التي ساكتبها، إلى هذا الكائن الاسطوري، الذي يتحدث عنه جميع الناس، والمسمى بالمواطن العادي، أو كما هو شائع، المواطن البسيط.

 

وفي وصف هذا المواطن البسيط العادي، رجل الشارع، ست البيت، يقول الناس عنه، واغلبهم مثقفين، سياسيين، إعلاميين، حتى المواطن البسيط زميله ايضا، أنه الشخص الذي لم يحالفه الحظ في تعدي مرحلة التعليم المتوسط، هذا إن مر على أي مرحلة تعليمية اصلا، لا يقرأ لاعظم الكتاب، قادة الفكر والرأي، الفن والأدب، أو لا يمارس نشاط القراءة اصلا، لا يستخدم الإنترنت، وغير منفتح على ثقافات اخرى.

 

واحيانا تختصر كل هذه الصفات، في أنه الرجل المسكين الذي ينتظر، اصحاب الفكر والرأي، ليلخصوا له مجمل الافكار والاحداث، ويرشدوه إلى الطريق السليم، إذ أنه غير قادر على تحديد طريقه بنفسه.

 

بمعنى آخر، تفرض علي نظرية المواطن البسيط، كصحفي أو كاتب، أن أصل بهذا الكائن إلى نتيجة مباشرة، يقتنع بها كمسلمة، وأن كل دوري اثناء الكتابة له، هو اثناءه عن الاقتناع بافكار اخرى مضادة لفكرتي باطلاق احكام وتصنيفات لا تقبل النقاش عنده، كالكفر مثلا او معادية هذه الافكار لثقافتنا الدينية او الوطنية .. إلخ.

 

وبين رغبتي للوصول لقاعدة كبيرة تشمل كل المواطنين البسطاء، وقناعتي بأن دوري هو مجرد إثارة استفزاز القارئ للتفكير أو التساؤل أو ايجاد الحلول، كنت نفسي معاقا امام الورق الابيض، كأني لم اكتب من قبل.

 

إلى أن اقتنعت، بأن المواطن البسيط، في تعريفه الغريب، إن وجد، فهو بالتأكيد لن يكون من قراءي، فاغلب المجلات والمواقع التي اكتب لها، لا تصل هذا المواطن بالذات، بالإضافة إلى أن هذا النوع من البشر يحتاج إلى وسائل اخرى غير القراءة على رأسها التلفزيون، والتواصل الشخصي.

 

لكني على كل حال، لم اصدق هذا التعريف، ولم اتعامل معه كأساس في كتابتي، إلى أن شهدت موقفا بنفسي جعلني اعيد نظر في تعريف الجمهور عموما، سواء للكتابة او الإعلام.

 

كنت اناقش صديقيين على قدر من الثقافة، في مسألة فكرية عامة ومجردة، حول تقييد الإنسان بمعتقدات وعادات من سبقوه، باعتبارها الحقائق المطلقة، وبما أنها كانت مسألة عامة ومجردة، كانت تحتاج إلى مثال محدد للاستدلال والشرح.

 

ولحظنا الاسود، استندت إلى مثال نوعية الحيوانات المحلل ذبحها، وقلت أن الاصل في الامور الإباحة، وإن كل ما يخرج عن آية “…..” فهو حلال، لكننا مثلا لا نأكل القطط مع أنها لا تدخل في هذه التصنيفات المحرمة.

 

اختلف معي احدهما وقال، طالما لم يرد في السلف أنهم لم يأكلوا القطط، فإذن ما الداعي لأكلها، وكانت فرصة جيدة للاستمرار في الاستدلال إذ أن المقصود، أننا نحصر أنفسنا في تجارب سلفنا، مع عدم وجود نص لهذا الحصر، وأضفت أن تجاربنا قد تزيد عن التي عاشها سلفنا، وعلينا التوسيع على انفسنا طالما لم يوجد نص يحد او يحرم.

 

–         ولنفرض مثلا أني سافرت البرازيل على عكس اسلافي، وكانوا يأكلون القطط ما العمل.

 

في هذه اللحظة تدخل صديق ثالث كان على مقربة مننا، ولم يكن لديه الرغبة او الداعي للمشاركة فيما يعتبره كلاما فارغا، لكن سيرة البرازيل، بسبب اسم شهرته “البرازيلي”، اثارت انتباهه.

 

–         يعني انتوا دلوقتي عايزين ايه، تاكلوا قطط؟

–         انا مقولتش اننا عايزين ناكل قطط، قلت أننا منحصرش نفسنا في تفكير إلي قبلنا، لاختلاف الظروف، يعني مثلا لو سافرت البرازيل…

–         يعني انت عايز تقنعني أن البرازيل مش هيبقى فيها غير قطط

–         المسألة ملهاش علاقة بالقطط، يمكن اصلا البرازيل مبتاكلش القطط اصلا.

 

وصمم صديقنا الثالث أن قضيتنا هي ذبح القطط، واراد أن يصل إلى نتيجة مباشرة من حوارنا، هل نؤيد ذبح القطط؟ في حين عبثا حاولت أن افهمه أننا نتكلم عن ترسيخ لقاعدة اوسع، بينما شارك احد الصديقين في الحوار بجملة واحدة يكررها باختلاف صياغتها، وهي أن الدين لم يترك شيئا إلا واصدر فيه حكما، مع أن موضوعنا لم يكن عن هذه النقطة.

 

وبصورة لا داعي لرسمها، إذ أنها مشهورة في أي جلسة حوارية، تنتهي بتعالي الاصوات، كل شخص كان يتلو ما كان مقتنعا به دون سماع الآخر، انهيت موقفي بحسم.

 

–         انا من رأيي يا برازيلي مناكلش لحم القطط، مبسوط !

 

وانتهت الازمة على هذا، إذ تقديم نتيجة مباشرة، دون الدخول في قضايا عامة، او الحديث عن قواعد ومبادئ نستند إليها في التفكير، تسهل علينا الحكم على الامور كلما استدعى الأمر، مسألة لن تعنى كثيرا للناس، الذين يبحثون عن اشياء تنفعهم الآن، في هذه اللحظة بالذات، وتسهل عليهم حياتهم فورا، دون التفكير في مبادئ أو مستقبل.

 

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

اترك تعليقاً