قرار نهائي

 

من مجموعة الكذبة المثالية - حملها مجانا.
من مجموعة الكذبة المثالية – حملها مجانا.

تأزم كثيرا من هذا المزاج الكلابي، لكنه سرعان ما بدأ في الضحك، شعر فجأة بأنه يتحول، إلى أن صار ينبح ويعوي مثل الكلاب بالفعل، هكذا بدأت الهلاوس .

 

عندما تصاعد الدخان الكريه، كان يلعن الحكومة ألف مرة، هي التي دفعته لمثل هذا الصنف، سحب أنفاسا متلاحقة على مضض، وكأنه يريد أن ينهي بسرعة وجبة أجبره جوعه على التهامها وهي تحوي بصاقا آدميا، وفضلات بهائمية، سعل، وكان يريد إخراج أحشائه أثناء السعال الشديد الذي أصابه من سرعته في السحب والتنفيث.

 

كانت أزمة بالفعل، أوشك على الموت، وهو يحاول أن يقول ألفاظا نابية أثناء خروج روحه التي توقفت عند طرف أنفه لتعود من جديد لوجهه شديد الاحمرار، فيعاود السب من جديد، مقرنا أسماء والدي مروجه بصفات الكلاب .

 

في هذه اللحظة انتهت أزمته وهو يصف بالتفصيل، كيف سيتحول هذا المروج إلى كلب يعوي هو وعائلته كلها، وكيف سيطاردهم كلهم في الشوارع الضيقة العفنة التي يسكنون بها، ليسفك دم هذا، وينتهك هذا، ويفحش في هذه .

 

امتلك الدخان رأسه في هذه اللحظة، فتخيل نفسه كلبا أيضا، رأى هذا ضروريا في مغامرته، كيف سيلاحقهم وهو بقدمين، وهم بأربعة، لذا يجب أن يكون هو أيضا كلبا يجري وراءهم ليفعل بهم ما يشتهي، لكن هناك فرقا بالطبع، هو كلب بوليسيٌّ قوي، شرس، مدرب، وابن ناس، أما هم فكلاب شوارع .

 

وكيف ينبح الكلب البوليسيُّ؟ حاول اختبار صوته في النباح، وقف على أربعة وبدأ في العزف، بعظمة من الأنف، ثم بشراسة من الحلق، ثم بضراوة عوى من أعماق جوفه .

 

هكذا بدأت الهلاوس .

 

نسى رائحة الدخان الكريهة، واندمج في تحوله، وضحك، لكنه لم ينسى الحكومة، وثأره من الحكومة أيضا، وكونه ككلب بوليسي يضعه في مرتبة ما في هذه الحكومة، هو كلب نعم، لكن وظيفته هذه، هي الأنسب لتنفيذ ضربته القاضية ضد الحكومة، فهو الكائن الوحيد المصرح له بشم المخدرات للتعرف عليها، وتتبع مصدرها خلال عمليات التفتيش .

 

هذه هي الخطة، عندما يعطونه عينة من الحشيش ليشمها المرة القادمة، سيخطفها بأسنانه ويجري، وهو كما يعلم الجميع في هذه اللحظة بأربعة، والضباط والعساكر كلهم باثنتين من الأقدام، لذا لن يلحق به أحد، ربما لن يهتم أحد بما يخطفه، لن يتوقع أحدهم أن في هذه الدنيا الغريبة كلبا حشاشا، كلبا بوليسيا حشاشا .

 

هذا هو سره، فهو ليس كلبا بالطبع، هو يمثل عليهم، وها قد تدرب بالقدر الكافي، وأجاد النباح والعواء، وعندما سيختلي بحشيشته سيعود إنسانا يعيش لحظات في الجنة، بدلا من جهنم الحمراء التي يعيشها الآن، وعندما يخرج من الجنة، سيعود كلبا من جديد، يهز ذيله أمام رؤسائه من العساكر والضباط، ينظر لهم في حزن وأسف، فيعيدونه للخدمة من جديد، ويعطونه حشيشا ليشمها، فيخطفها بأسنانه ويجري، وهو ينبح ضاحكا .

 

وهكذا .. إلى أن يقضي – بطريقته هذه –  على كل الكميات الكبيرة التي ضبطتها الحكومة الملعونة، في حملات موسعة خلال الأسابيع القليلة الماضية، ولن يكفيه هذا، فسيمضي في لعبته إلى أن يخطف باقي أنواع المخدرات التي لا يشربها، ثم يدخل على جوازات السفر التي تصدرها الحكومة، ويمر على البطاقات الشخصية، يخطفها كلها ويبعثرها في الهواء، إلى أن يرتبك النظام، وتسقط الحكومة، ويحل البرلمان، وتأتي غيرها تشرع قانونا يمنع ضبط الحشيش، باعتباره ليس مخدرا من الناحية العلمية .

 

وإذا ما حالفه الحظ ورأس هذه الحكومة، وهو ليس كلبا بالطبع، فسيسجن كل مروجي ذلك المخدر الكلابي، الذي يحول متعاطيه إلى كلاب، ينبحون من أجل الحصول على لحظات متعة، لا من أجل النباح والعواء، وسيحرق كل مزارع البانجو داخل السجون التي تضم هؤلاء، ليتحولوا إلى كلاب، عقابا لما ارتكبوه من جرم شاركتهم فيه الحكومة السابقة .

 

وبهذا يقضي بضربة واحدة على الحكومة ومروجه، الذي خدعه أكثر من مرة خلال الفترة التي ارتفعت فيه أسعار الحشيش إلى السماء، بسبب مؤامرة الحكومة عليه، رفع السعر عليه مرة واثنتين، وماطله في تسليم تموينه من الحشيش، إلى أن نشب بينهما شجار عنيف في ذلك الحي القذر الذي يعيش فيه المروج، تدخل فيه كل الجيران الذين كانوا أهل المروج أيضا، لا لفض ما بينهما، وإعطاء الزبون حقه من الحشيش أو حتى من أمواله التي دفعها، بل لضربه وسحله والبصق عليه، ثم رميه على فضلات بهائمية كانت في منتصف الشارع الذي لا يُعرف له منتصف من فرط ضيقه .

 

وفوق الفضلات، لم يعرف ما الذي جعله يريد التأكد – أولا وقبل كل شيء – من أنه لازال يمسك بكيس مملوء بالبانجو! ثم لم يفهم ما الذي جعله يتذكر وجبة كانت تجبره أمه على أكلها لأنها مغذية، السبانخ تقريبا، كان يقول لها أن قوامها يشبه فضلات الحيوانات، فتضحك وتقول وكيف عرفت قوام فضلات الحيوانات؟ ها هو عرف قوامها، هل يذهب الآن ليقنعها بأنها فعلا تشبه قوامها؟ ستقول له عيب لا تقول هذا على نعمة ربنا، نفس الكلمة التي قالها هذا الخنزير منذ قليل، لم يقتنع كما لم تقتنع أمه من قبل، إذن فليذهب الآن لا ليقنع مروجه ولا أمه، بل ليذهب كما تعود مهزوما .

 

لم تكفِ كل مياه النيل التي صبها الدش عليه، لم تكفِ جسمه، كان كبيرا، مترهلا، بالإهانات، لم تكفِ لغسل البصاق والفضلات من فوق جسده، كان مواسير المياه تصفر من الفراغ، لقد فرغ النيل، لم يكن العيب فى مواسير المياه، حتما لقد فرغ النيل، قال لنفسه لن تكفي المياه مسح القاذورات، وإن مسحتها، فإنها لن تمحي الإهانة من ذاكرته، التي اشتعلت أكثر من أي وقت مضى، تذكر كل تفصيلة في حياته الآن، ولن تكفيه شحنة بالأطنان من الحشيش مهربة من السواحل، لتنطفئ هذه الذاكرة، ويصمت هذا العقل .

 

كان يقول له – عقله – وهو ينشف جسده من بقايا الماء والصابون، اقلع الآن، لم يخطر على باله من قبل أن يمتنع، كان يقول دائما: “ما المانع من الاستمرار؟” وفي هذه المرة ساقت له ذاكرته سببا يمنعه، ففكر .

 

الكبرياء هو أول شيء تضرر، ومن أول لحظة، في شجاره مع المروج، لم يهنه بشكل مباشر في البداية، لكنه اقترب من منطقة محرمة في طبقته عندما صاح في وجهه .

 

–       احمد ربنا يا باشا، أنت لاقي؟!

 

كان قد أعطاه ألف جنيه، دون أن يحدد ما يحتاجه من الكمية، لأنه يعلم مدى شح الصنف في السوق، ومدى جشع مروجه، لكنه لم يتوقع التبجح، فثار لكرامته .

 

–         ألف جنيه يا كافر، يعني آخذ بهم ما يجلعني من كبار تجار الحشيش لا متعاطي لزبالة “الكيف” .

 

ثم رمى في وجه المروج، بكيس ممتلئ بالبانجو الذي لم يذقه أبدا في حياته، مطالبا بأمواله، أو بالحشيش، كبت المروج غضبه، ليحافظ على زبونه الدائم، وفي نفس الوقت ليثبت على موقفه، معلنا أن هذا هو الموجود، وأن البضاعة لا ترد، وأنه كله “كيف” في النهاية، وعبثا حاول الزبون إقناعه بأنه لا يشرب سوى الحشيش لأنه نظيف، يهدئ الأعصاب، لا يثير الهلاوس، ولا يضر، بكل الكلمات حاول، وعلى كل المستويات، لم يجدِ شيء مع المروج فبدأ يسبه أثناء الشرح، وكان المروج يرد كلمة بكلمة، فضاعت الكرامة وضاع الكبرياء تماما، فانقض على مروجه، و .. الباقي .. كله مؤلم .

 

حفر كل شيء في ذاكرته، وإن ما مر به لم يكن واضحا تماما، حدث سريعا، وبشكل غامض، لذا وجد مانعا هذه المرة يجعله يفكر في الإقلاع، بل التنفيذ الفوري، عقله كان واعيا في هذه اللحظة، وكأن الإهانة صفعته ليفيق من كابوس، نظر لنفسه في المرآة، وقد انتهى من ارتداء أفضل ما لديه، وكأنه يريد تغيير صورته التي قتلته إهانة .

 

وأخذ القرار .. قرارا نهائيا !

 

لن يعود لأي مكيف أو مخدر أبدا، ولن يضع نفسه تحت رحمة كلاب، يخدرونه عندما يوفوا بوعودهم، ويخدعونه عندما يتفقوا، ويهينوه أثناء سرقته .

 

شعر براحة، لم تصل قلبه منذ أن استخدم الحشيش، جسده تعب، لكن عقله نشيط، فكر في شيء يفعله، أي شيء، يلهيه أو يدعمه في موقفه، دخل المطبخ وفتح الأدراج يبحث عن أي شيء، فتح الثلاجة، ثمة رائحة عفن يخرج منها، نظر للمصباح الذي لم يضيء، ذهب إلى الشرفة وجلب السلم الخشبي، ذهب الغرفة وأخرج مصباحا جديدا من الدولاب، ارتفع على درجات السلالم، وغير المصباح، كبس على الأزرار، لم يضئ، نزل، أخرج مصباحا آخر، ارتقي، لم يضئ، أخرج آخر، ارتقى، لم يضئ، نزل، جلب الأخير، وقع منه وهو يرتقي، قفز، دفع السلم، صائحا لا شيء سليم في هذا البيت .

 

ضاعت الراحة، جسده أصبح أكثر تعبا، وخف نشاط عقله، فارتمى على الأريكة في الصالة، أخرج سيجارة ودخنها، كان كيس البانجو أمامه على الأض، رماه على الأرض حين وصل، نظر له باندهاش، ما الذي جعله يتمسك بالكيس أثناء الضرب؟ كان من الممكن أن يتركه على الأرض خلفه وسط الفضلات !

 

قام ليلتقطه، تفحصه فوجده كيسا شفافا، عاد من ذلك الحي العشوائي الواقع على أطراف المدينة إلى حيه الراقي في وسط المدينة، بكيس شفاف مكتظ بالبانجو ! ضحك كثيرا، تحسس الكيس من جميع جوانبه فوجده نظيفا، رغم أنه نفسه لم يسلم جزء من جسده من التراب والفضلات والبصاق، فتحه وشم ما بداخله، لم يجد رائحة مميزة، أخرج أحد الفروع وحرقها، فأخرجت ذلك الدخان الكريه الذي شممه ذات مرة وكرهه، رماه على الأريكة بجواره، واستلقى محاولا النوم.

 

لم يَـنمْ، بالطبع البانجو لا يناديه، إنه مزاج الكلاب، رخيص، وكريه، ويدمر خلايا المخ، ويثير الهلاوس، الحشيش شيء مختلف تماما، غسل للهموم، وراحة للعقل، لهذا كان قراره من البداية أن يكون الحشيش، ولا شيء غير الحشيش، لا بانجو ولا “كيمياء”، على أي حال كل شيء انتهى، لا حشيش ولا غيره .

 

لم يَـنمْ، البانجو ليس هو المسألة، التوقف صعب كما يقولون طبعا، والحمد لله أن الحشيش شح بالسوق، وهذا سيساعده بالتأكيد، كما أن مروجه الذي لا يعرف غيره أهانه، وحتى لو الحشيش انتشر في الأسواق وتم بيعه في السوبر ماركت، لن يعود له، ولو عاد المروج ليعيد الأموال، فلتذهب الأموال إلى الجحيم، المهم الكرامة، حتى لو اعتذر، لن يقبل اعتذاره .

 

لم يَـنمْ، وهذا البانجو يجب أن يُـرمى في سلة المهملات أيضا، لا يجب أن يبقى مكيف أو مخدر في هذا البيت بعد الآن .

 

عاد من المطبخ يحمل نفس الكيس وهو لا يزال ممتلئا، هل أصيب بالجنون ليرميه في سلة قمامته؟ ليجد الشرطة ثاني يوم على رأسه، تسحبه من قدميه إلى الحجز، أم أغرته رحلته من بيت المروج إلى منزله دون أن يوقفه كمين؟

 

واضح أنه ورطة، وبالطبع لن يشربه كله ليتخلص منه، لن يستطيع تحمل سيجارة واحدة بها هذا “الهباب”، كما أنه غير مغري، وحتى لو جربه مرة، لن يعود له مرة أخرى، لا خطر من البانجو إذن، فهو يعلم أنه لن يستطيع العودة إليه إن جربه، خاصة وأنه مدمن على الحشيش بالفعل، فلن يزيد شيئا سوءا، أن يجرب في ظل هذا الفراغ المحيط .

 

أشعل سيجارة ..

 

تأزم كثيرا من هذا المزاج الكلابي، لكنه سرعان ما بدأ في الضحك، شعر فجأة بأنه يتحول، إلى أن صار ينبح ويعوي مثل الكلاب بالفعل، هكذا بدأت الهلاوس .

 

عندما تصاعد الدخان الكريه، كان يلعن الحكومة ألف مرة، هي التي دفعته لمثل هذا الصنف، ما الذي جعلها تعود فجأة لملاحقة مروجي الحشيش بمثل هذه الضراوة؟

 

سحب أنفاسا متلاحقة على مضض، وكأنه يريد أن ينهي وجبة أجبره جوعه على التهامها وهي تحوي بصاقا آدميا، وفضلات بهائمية، كان يريد إخراج أحشائه أثناء السعال الشديد الذي أصابه من سرعته في السحب والتنفيث .

 

كان يريد أيضا أن يخرج من أحشائه كل كميات السبانخ التي أُجبر على التهامها، لأنها تذكره بقوام فضلات الحيوانات، وفضلات الحيوانات تذكره برحلة الحشيش فهي تملأ كل الشوارع المؤدية لمنزل مروجه، ومروجه يذكره بالبانجو الذي يشربه الآن، وهذا البانجو يشبه السبانخ التي يكرهها قبل طبخها إلى حد ما، وطعمه في حلقه لا يمكن أن يكون أقل سوءا من طعم فضلات الحيوانات، وتأثيره لا يختلف كثيرا عن تأثير الحشيش فكلاهما يجعلانه يفعل أشياء لا يحبها كما يحدث الآن .

 

تأمل قليلا، فوجد شيئا واحدا إيجابيا، وهو أن الحشيش لا يجعله يعوي، رن هاتفه المحمول، وكان رقم مروجه يضيء على الشاشة اللامعة، ضحك لأنه يعرف أن مروج مثل هذا لن يضيع زبونا مثله، شره، ويدفع الكثير، أمسك الهاتف، وأخذ قراره، سيتلاعب به قليلا، قبل أن يقبل اعتذاره، على أن يأخذ منه كمية مناسبة من الحشيش بدلا من هذا المزاج الكلابي.

 

من مجموعة الكذبة المثالية – حملها مجانا.

 

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

الحب يقطن علبة الدبابيس

تستفزها هذه المنشورات على الفيسبوك، “الحب ممكن يكون حلة محشي”، “العشق ممكن يكون صينية بسبوسة”. …

اترك تعليقاً