اشياء لا تحدث كل يوم (زفة إلى باب السماء)

نور

في صباح مشرق نفض احدهم الغبار عن جسده مقررا ألا يعود مشردا بعد اليوم، ترك مقلب القمامة الذي يحتل منتصف شارع السد خلفه، وذهب إلى اقرب جامع صغير واغتسل، صلى الضحى، وخرج إلى السوق طالبا عملا لدى فكهاني وحصل عليه، أمضى نهاره كاملا يحمل اقفاص التفاح الأمريكاني وصناديق الفراولة التي تباع بسعر رخيص ويحصل عليها الجميع بثمن واحد وجودة واحدة.

لم يجد مشقة في أن يحصل عدة ارغفة من الفرن وقت الغداء، ولم يجد حرجا في أن يطلب الشاي على حساب صاحب العمل نظرا لأنه لم يحصل على أول يومية في حياته.

في الليل طرق بابا لمحسن كبير سائلا اياه مكانا للمبيت لفترة مؤقتة، فاعطاه مفتاحا لغرفة على السطح، سيدفع إيجارها بعد أن ينصلح الحال.

*****

في الصباح التالي وجد المشرد نفسه في الشارع يسأل المارة في إلحاح، ويتحاشاه الجميع، غير ذلك الرجل الذي يخرج من جيبه معدنية يدفعها في كفه دون أن ينظر إليه.

يمر أمام احد معارض الموبيليا فيصادف رجلا اشعث اغبر يلوح له ويسبه في نفس الوقت، يبصق عليه فيخرج من المعرض عاملا ينهره مطالبا اياه بالابتعاد.

يصيح العامل في زملائه الذين كانوا يضحكون بالداخل.

– ابن المجنونة كان هيكسر المراية.

يواصل مسيره إلى السوق يطلب بوقار تفاحا امريكانيا من الفكهاني، فيناوله بكف ثمرة معطوبة، وبالكف الآخر يلقي بالتحية على قفاه، يضحك عدد من البائعين، وتشعر اربعينية كانت تنقد البائع ثمن ثلاثة كيلوجرامات من التفاح الامريكاني بالاشمئزاز من تصرفه، لكنها لا تعلق.

قبل أن يذهب المشرد بعيدا كان قد حصل على تفاحة سليمة من هذه السيدة التي لم تسلم من لسانه وسط ضحك الباعة، لم تدخل هذه التفاحة فمه قبل ثلاثة ايام بعد أن تأكد تماما أنها فسدت بالكامل.

*****

بعد أن اقام الشيخ صلاة الفجر نظر خلفه على غير عادته مقلبا في الوجوه الناعسة التي تقف في الصف الوحيد والقصير، لم يجد بينهم المشرد، اضطرب لدرجة أنه اعاد تلاوة الآيات ثلاثة مرات بعد تصحيح بعض المصلين لقراءته، كان عقله شاردا.

هرول خارجا بعد الصلاة إلى الشارع دون أن يدري إلى أين يذهب، كان يعدو ذهابا وايابا في نفس الشارع، متطلعا إلى نهاية الشارع، ثم جلس في يأس على مصطبة بجوار بوابة الجامع، إلى أن ظهر المشرد مع طلوع الشمس، كان مبتسما ابتسامة انتصار.

قبل أن ينهض الشيخ الشاب غاضبا من على المسطبة صاح ضاحكا.

– مش كان النوم على البلاط احسن؟

لم يعطي فرصة للشيخ ليسفتهم.

– دفى الحصير والغطا منعوني عن صلاة الفجر.

شعر الشيخ أن هناك قصة مريحة سيسمعها وستخرس ضميره الذي كان حائرا منذ أن قرر أن يقتطع من اموال التبرعات المخصصة لشراء سجاد فاخر للجامع، لكي يشتري بها الحد الادني من الاثاث لغرفة ذلك المسكين العارية، قال لنفسه أن توفير مأوى دافيء في برد قارص لمشرد اولى من شراء سجاد لا يصيب المصلين بتقرحات في جباههم، لكنه ظل يشعر بأن هناك خلل ما تصرفه.

– جارة كريمة بعتت مع ابنها سجادة قديمة ولحاف.

هز الشيخ رأسه ضاحكا

– قادر ربنا ينزعهم منك لو بطلت صلاة.

– ساعتها هآجي اصلي وابات في الجامع.

ضحكا

*****

في الظهيرة خلع سرواله على وتغوط على اطراف الخرابة غير مباليا بصرخات الفتيات التي كانت خرجت لتوها من مدرسة السنية ومدرسة التجارة وتركضن عندما تكتشف أن جزئا من تل القمامة عبارة عن رجل يظهر ابشع ما يمكن تصوره في الرجال.

كانت التقلصات تقتله ألما يريد أن يخرج شيئا فاسدا من جوفه لعله يرتاح، كان يراقب اثناء محاولاته المارة والسيارات والموتوسيكلات التي يركبها الشباب ويزيد نشاطها في هذا التوقيت بالذات، بدى له كل شيء يتحرك بتناغم لكن دون صوت، ساهم هذا في زيادة شعوره بالراحة، اقترب من لحظة الفرج، وعندما بدأ الأمر لاحظ موتيسكلا ظهر مسرعا عكس السير، تظاهر قائده أنه سيصدم بفتيات كانت قد هربت من “المنظر” ثم مر مسرعا بجوار بضعة مصلين كانوا خارجين لتوهم من الجامع فاجفل بعضهم، احدهم سبه بعبارة بذيئة، وعندما وصل المتوسيكل إلي الخرابة فرد سائقه ساقه صادما المشرد في صدره، ثم استمر في طريقه ضاحكا.

كان قد انهي المشرد ما بدأه وهو مستلقيا على ظهره اثر الضربة، ثم قام ملطخا بالقمامة والفضلات مرتديا سرواله وماسحا كفيه في صدره غير مباليا بما حدث ومتوجها إلى المصلين طالبا منهم حسنة كما اعتاد كل يوم، هرول اغلبهم ضاحكين ولاعنين اباءه واجداده.

من بوابة المسجد اطل الشيخ برأسه ليرى الجلبة التي احدثها المارة بالخارج، ساءه ما رآه فعاد إلى مجلسه بالداخل.

*****  

على المقهى جلس المشرد مرتديا جلبابا جديدا مع الشيخ والفكهاني والمحسن الكبير كان ينصت في تعجب من فكرتهم.

–        أولا غلبانة ويتيمة والستر حلو ليها وليك.

اسبوعا واحدا يمر على حياته الجديدة، ويعرضون عليه التزوج من فتاة جميلة، هي بائعة جرير لكنها في النهاية جميلة، وتسكن في عشة وكان لها اهل لوقت قريب قبل أن تتيتم، بعكسه كان لوقت قريب مشردا يسكن الخرابة ويصادق الكلاب لإنعدام الأهل والاصحاب.

–        عجيبة!

–        ما عجيب إلا الشيطان، هنساعدك، قولك ايه؟

–        مفيهاش قول .. بكرة نطلبهالك، ولا ايه رأيك يا شيخنا؟

–        لله الأمر من قبل ومن بعد.

قال في نفسه شيئا ما يجعل ما يحدث غريبا وغير حقيقيا، لكن رأسه امتلء بطقوس الزفة وما بعد الزفة فأخرست كل الافكار.

سمع اصوات ضرب النار في الهواء كأن الزفة تبدأ الآن وليس بعد اسابيع.

*****  

كلبا بعد الآخر كان يعوي في ألم، واصوات الطلقات تتالى، عرف بعض الاهالي الذين ايقظتهم الجلبة قبيل الفجر أن شكواهم ضد الكلاب الضالة تم البت فيها اخيرا، أما عن بخصوص مقلب القمامة الذي يكومون فيه فضلاتهم فلا حس ولا خبر حتى الآن.

لم ينظر احد منهم من النافذة ليتابع ما يحدث بالاسفل، المشهد حتما سيكون داميا وكئيبا لكنه سيكون مريحا لهم وللكلاب على السواء، هكذا يظنون ..

طال الضرب والكر والفر، ثم زاد العواء معبرا عن ألم اشد، كان العواء جماعيا وحزينا، توقف ضرب النار، وتوالت صياحات رجال بدا أنهم يهربون من الشارع في ارتباك، تركوا جثث الكلاب خلفهم، صاح احدهم.

–        انت اتعميت؟ هنروح في داهية الله يخرب بيتك.

فاجاب الآخر بصوت يشبه الولولة.

–        والله ما شوفته !

*****

في يوم مشرق اصبح شارع السد دون مقلب قمامة ودون كلاب، كان هذا بعد زفة المشرد بايام ..

نسألكم الدعاء ..

القاهرة – الاربعاء 17 ابريل 2013

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

تحميل “البقاء في الأسر” مجموعة قصصية لمصطفى علي أبو مسلم

تُرك في العراء، وقد كان منذ لحظات رضيعًا لا يزال يلتقم صدر أمه. نظر الوحش …

اترك تعليقاً