في رحاب “عشوائية أهرامات الجيزة”

عماد سيد فيسبوك

شاركت قبل عدة أسابيع في الإعداد لتصوير حلقة تليفزيونية للمؤسسة التي أعمل بها. كان الهدف الرئيسي من الحلقة إظهار عراقة الحضارة المصرية ونقل صورة للعالم عن استقرار الأوضاع ودعوة غير مباشرة للمجيء إلى مصر بهدف السياحة والتمتع بمكان يحوي ربع آثار هذا الكوكب. لكني اصطدمت وزملائي في فريق العمل – كما كان متوقعًا – بالمئات من العوائق بعضها إداري وأغلبها ناتج عن جشع واستغلال هائل منفر.

كان من المفترض تصوير الحلقة في الصوت والضوء بأهرامات الجيزة، لكن حاصل جمع المبالغ التي كانت مطلوبة لتنفيذ الحلقة تعدى 80 ألف جنيه. تنازع في الأمر 3 جهات، وهي كالتالي؛ الجهة الأولى هي “منطقة آثار الهرم”، يُدفع لها مبلغًا لدخول منطقة الأهرامات الأثرية وتصرف أنت بعد ذلك. هنا انتهت مهمتهم فقط بالسماح لك بالدخول.

والجهة الثانية كانت “الصوت والضوء”، وهذه لا علاقة لها بغيرها أيضًا كالعادة ومهمتها فقط السماح لك بالتصوير في هذا المكان مع إضاءة الأهرامات وأبوالهول لمدة 3 ساعات فقط مقابل مبلغ هائل.

أما الجهة الثالثة فهي “شرطة السياحة”، ومهمتها تأمين وجودك أنت وفريق العمل والضيوف المدعوين. شرطة السياحة تُحصِّلُ المالَ رسميًا بإيصالات في مقابل تنفيذ عملها الأساسي وهو تأمين المتواجدين في المكان. أي أنك تحصل على راتبك “شكليًّا” في مقابل أداء عملك، أما حين تقوم بالفعل بأداء عملك فهنا ستحصل على راتب آخر. أي أنك أيضًا تحصل على راتبين في مقابل أداء وظيفة واحدة!

الحاصل: هناك 3 جهات تتقاسم إدارة المكان، وكل جهة تطلب منك مالًا، وتُغالي في مطالبها المالية إذا ما اكتشفت أن الجهة التي تريد التصوير ليست مصرية .. نهارك زحل بإذن واحد أحد!!.

حاولنا الانتقال إلى مكان آخر وكان الاقتراح قلعة صلاح الدين، واكتشفنا أنه لا يوجد تقريبًا مكان هناك يصلح للتصوير وإظهار مبنى القلعة التاريخي إلا مكان واحد وكان مشغولا، ثم اقترح علينا أحدهم بالتصوير في حديقة الأزهر ووجدنا أنه بالفعل المكان الأمثل لإظهار القلعة بشكل كامل وخاصة أن التصوير ليلا سيجعل القلعة في كامل رونقها وألقها مع وجود الإضاءة الليلية. لكننا وجدنا أن التصوير لعدة ساعات قليلة في حديقة الأزهر سيتكلف 60 ألف جنيه!

حاولنا كثيرًا البحث عن أماكن أخرى ووجدنا مكانًا تاريخيًا رائعًا بمبلغ معقول للغاية وتم تصوير الحلقة فيه، وهو قصر البارون. ولا يمكن هنا إغفال حجم التسهيلات الهائل الذي مُنح لنا على غير العادة سواء من منطقة آثار جنوب القاهرة أو من شرطة السياحة، فتم إنهاء الإجراءات في أقل من نصف يوم! لهم جزيل الشكر رغم أني كنت من ساكني حي الهرم، وقضيت فيه ما لا يقل عن 25 عامًا ، إلا أنني لم تتح لي الفرصة أبدا لحضور عرض الصوت والضوء.

حين اقتربت من المكان راعني هول المنظر .. والرائحة! المكان مليء بالخيول، بعضها يسير وحده، وفي الجو رائحة فضلات الحيوانات التي ستظل في أنفك حتى بعد أن تغادر المكان. أطفال صغيرة قذرة رثة الثياب تقف ببضاعة مزجاة، تلتصق بالسائح كالذباب المزعج. ما أن يبتعد أحدهم عن السائح حتى يلتصق به آخر، والأسوأ أن ما يعرضونه من سلع على انخفاض مستوى جودتها تجدهم يطلبون مقابلًا هائلًا لها (عرض أحدهم ورقة بردي مقلدة على سائح وطلب منه 100 دولار)!

وجدت سائحًا هنديًا وزوجته وطفلته يحاولون عبثًا الوقوف في مكان هادئ لالتقاط بعض الصور وفي الخلفية الأهرامات وأبوالهول، لكن الرجل فشل فشلا ذريعًا، ما أن يتخلص من بائع حتى يظهر له أخر إلى أن صرخ: اتركونا وحدنا .. اتركونا وحدنا ! داخل “الصوت والضوء” كانت كارثة أخرى.

أولا: حضرت العرض باللغة العربية، وهالني ما سمعت، لم أستطع أن أحصي عدد الأخطاء اللغوية (قراءة وإعراب) في حديث السيد الراوي.. ولا أستطيع أن أصدق أن نصًا كهذا لم يُعرض على شخص واحد يجيد اللغة العربية لتصحيحه! الإضاءة كارثية! ضعيفة للغاية.. الأهرامات شبه معتمة طوال العرض.. وكأننا نتعمد إحباط الضيوف الذين يأتون من كل أنحاء العالم لمشاهدة العجيبة الوحيدة المتقبية من عجائب الدنيا السبع. أو كأننا نوفر المال اللازم لتطوير المنطقة لاستغلاله في مشروع قومي أكثر خطورة. حتى المقاعد التي يجلس عليها الضيوف، مرهقة ومتعبة ورخيصة الثمن، وكلها من نوع واحد، لكن والحق يُقال، يتميز الصف الأول والثاني VIP عن باقي الصفوف بوجود “شلتة” تخفف قليلا من آلام الجلوس على تلك المقاعد!

منطقة الأهرامات أقل ما يُقال عنها أنها “عشوائية”. قرأت فيما مضى أن هذه المنطقة مقامة فوق مدينة أخرى كاملة طمرتها الرمال على مدار آلاف السنين. ولو أن هناك مَن يُفكر حقًا في صالح هذا البلد ويسعى لاستغلال المكان بما يُدرُ المليارات على مصر سنويًا منها، لكان أول قرار هو نقل كل مَن يسكن في محيط هذه المنطقة وبدائرة قطرها 3 كيلو مترات على الأقل إلى خارجها مع تعويضه بشكل عادل وملائم. أعلم علم اليقين ولدي إيمان لا يتزعزع بوجود العشرات من الشرفاء في وزارة السياحة والآثار والداخلية وكثير منهم لديه رؤى وخطط لتحسين الأوضاع في مكان عمله بما يعود بالنفع على مصر في النهاية إن تضافرت جهود هؤلاء الشرفاء في هذا الصدد. لكني أعلم أيضًا كيف يمكن أن تُدهس الأحلام تحت حذاء الروتين والأقدمية والخوف من التغيير.. ولله الأمر من قبل ومن بعد!

 

 

عن عماد سيد

اترك تعليقاً