الرئيسية / رأي / عن التنمر في الأورمان الأعدادية “غير النموذجية” (+١٨)

عن التنمر في الأورمان الأعدادية “غير النموذجية” (+١٨)

في اليوم الأول لي بالمرحلة الأعداديه، بتلك المدرسة العريقة الي قرر أهلي نقلي لها بعد خمس سنوات في المرحلة الإبتدائية قضيتها في مدرسة خاصة “شيك” ومحترمة، قبل أن يوهمهم شخصٌ ما بأن “الأورمان الأعدادية النموذجية بنين” خرج منها أشهر الأطباء والوزراء بخلاف الكثير من أعضاء مجلس الشعب الكبار حينها.

في صباح اليوم الأول قبل بداية الطابور، جلست بجوار شابين من الواضح أنهم كانوا في الصف الثالث الأعدادي، كانوا يسخرون من أحد الأساتذ الذين يمروا في الحوش، كان رجلًا منكوش الشعر غير مهندم الثياب بنظارة “قعر كباية”، “مشندل” حسب تعبيرهم، ولم يكتفوا بالسخرية منه من بعيد، بل صاحوا له بصوت عالي “أستاذ سيد اتفضل تعالى مص”، فأشار لهم الرجل المسكين ضاحكًا وكأنه يرد السلام، وتهالكوا بعدها في الضحك، لن تصدقني حينما أخبرك أنني لم أدرك معنى ما طلبوه لكن من الواضح أن الأستاذ سيد مدرس العلوم الجهبذ لا يبالي.

بدأ الطابور داخل الحوش الضخم، متكدس به أعداد مهولة من الطلبة بالنسبة لمدرستي القديمة، الصفوف التي يقف فيها طُلاب الصف الأول الأعدادي “السمك الجديد”، كانت هادئة تمامًا، لكن الصفوف الأخرى كان بها بعض المظاهر التي لم أجد لها تفسير وقتها.

كانوا يفعلوا ببعضهم ما فعله سعد سمير بكهربا في روسيا، وحينما يشتكي المهذب منهم لأستاذ محمد أبراهيم مدرس الألعاب كان يصفعه على قفاه “أقف في الصف يا ***”، فيتحول لأضحوكة في الطابور, وهذا هو الدرس الأول “حقك هاته بدراعك متشتكيش”.

في الفصل، تحديدًا في فصل أولى 16، جاء جزء من طلبة الصف الثالث الأعدادي ليستقبلوا “السمك الجديد”، قرر وقتها كُل طالب منهم أن يكشف لنا عن سره مُتفاخرًا به في عرض أشبه بعروض هاني البحيري للأزياء، مؤكدين أننا لا نمتلك مثل هذه الأشياء لأننا مازلنا “سمك جديد” لم تكبر أشيائنا بعد.
واجهت التنمر الحقيقي هُناك حينما قرر أحد الطُلاب مضايقتي لأنني مهذب، كل ما أستطيع قوله هو “ياكلب أو ياجزمة” مثل ما تقول البنات، فقرر أن يستعين بأقاربه من مدرسة الجيزة الثانوية والتي يفصلها عنا سور قصير يسهل عبوره، في اليوم الأول جاءوا مسرعين لي وأنا جالس بمفردي في “الفسحه” وضربوني وأخذ واحد منهم حذائي وظل يجري به أمامي حتى القاه في وجهي.

ذهبت بعدها إلى المنزل أحاول أقناع أسرتي بأن المدرسة لا تناسبني ولابد أن اتركها، لكنهم رفضوا وأقروا بأنها من أفضل وأهم المدارس في مصر، فقررت الصمت، وظلت تِلك العصابة تأتي لي في الفسحه كل يوم ويطاردوني بأشكال مختلفة حتى أنهم في أحد الأيام سرقوا كتبي وقطعوها، وأصبح ذهابي للمدرسة هم كبير، فشعرت أمي وحدها بأن هُناك شيئًا مقلقًا فقلت لها، وقامت الدُنيا ولم تقعد الى أن رد إلي مدير المدرسة كرامتي بضربهم، لكن تم الأمر في الغرف المغلقة فلم يشفي غليلي.

في العام نفسه كان بجواري في الفصل طالب من النوبة،بشرته شديدة السواد اسمه “محمد عبد الله”، كان مدرس اللغة العربية يقول له دائمًا أن اسمك على أسم “ألنبي” عليه الصلاة والسلام فكان يفرح، لكن مدرس آخر أطلق عليه لقب “عفريت”، فترك الطُلاب أسم النبي وتمسكوا بـ “عفريت” وظل هذا اسمه حتى تخرجنا من الأعدادية.

في الصف الثاني والثالث الأعدادي، قررنا أنا ومحمد عبد الله أن نكون من الطلبة الذين يشاركوا في الأحداث ويسيطرون على الأمور، بمبدأ “الغابة”، وقررنا أن نكون أسودًا بدلًا من كوننا فئران، ونحينا الدراسة جانبًا، فأصبحت أتنمر على زملائي، وأفعل ما فعلة سعد سمير وأتلفظ بنفس الألفاظ.

لم أستطع تقبل فكرة اللجوء لأمي وأبي في كُل مشكلة أواجهها، أما محمد عبد الله وجد رد على من يناديه “يا عفريت” بقول “حطوا في *** سميط”، لكن كان يتقبلها من المقربين، وظل يقنعهم بأن أسود البشرة يمتلك ما لم يتملكوه ولديه ماهو أكبر حجمًا منهم، لكن يشهد الله أننا لم نقم يومًا بمعايرة “السمك الجديد” بهذا الذي زاد نموه وقتها.

عن أحمد شعراني

أحمد شعراني
مدير تحرير مجلة فورورد سابقًا
تعليقات