عبد الرحمن منصور

الطرق الثمانية لإدارة دولة أكثر عسكرية

عبد الرحمن منصور
عبد الرحمن منصور

رغم صعوبة الفترة التي جُندت فيها عسكريا، إلا أنها أهدتني الكثير من الدروس التي لا تزال تظهر أمام عيني يوما بعد يوم.
بسبب حظ وافر أتيحت لي الفرصة لمعايشات أحسب أنها نادرة، حين أتذكرها الآن، أرى مصر معسكرا كبيرا تقوده وجوه وأسماء رأيتها من قبل، إلا أن هذا المعسكر يعيش به ٩٠ مليون مواطن.
ودرءا للقيل والقال فكل ما سأذكره الآن أو لاحقا لا يتعارض والقسم الذي يقسم عليه كل جندي أو ضابط بعدم إفشاء أسرار عسكرية تضر بمصلحة الجيش والبلاد.

١
“الجيش بيقولك اتصرف”

الجملة التي سمعها كل جندي خدم إجباريا في القوات المسلحة، لا يطلب منك الجيش أن تفكر أو تحلل سبب الأزمة، لكن “اتصرف” أولأً.
الحل قبل التفكير والتحليل، تحسين المشهد قبل معرفة سبب حدوثه، الحركة قبل التخطيط للخطوة القادمة. يطلب منك الجيش دائما أن تتحرك حتى لو في نفس المكان، لا يريد قائدك العسكري أن يراك ساكنا بلا عمل وقت الأزمة، حتى لو كنت مشغولاً بالمستقبل، حتى لو كان المقابل أن تقف لتدور حول نفسك كالطواف حول الكعبة.
قرأت قصة مهمة كتبها أدهم سليم تقول الآتي:
“إسكندرية وعدد تاني من مدن الشمال كان فيهم شبكات صرف مطر، بس في لحظة معينة من عمر نظام السادات كانت شبكة الصرف الصحي بتاعة البيوت وصلت حدود تشغيلها القصوى وبدأت المواسير تضرب واحدة ورا التانية. لو حد أهلو عاشوا الفترة دي في إسكندرية يقدر يسألهم عن إزاي إسكندرية كلها كانت ريحتها مجاري .. أحد القيادات وقتها طلع بفكرة غبية، وهي إستغلال شبكة صرف المطر لتصريف الضغط على شبكة الصرف الصحي. طبعاً أي حد بيفهم كان لازم يعارض حاجة زي كدة، بس تحت ضغط حالة الطواريء وقتها، الموضوع مشي، بس رجع إنفجر في وشنا تاني، لأن أكيد المدينة مابطلتش توسع وأكيد الناس مش هاتبطل تستعمل الحمام!
نفس الشيء هايحصل دلوقتي، والجيش هايستورد عربيات شفط يخلص بيها الأزمة المرة دي، وكمان عشر سنين ترجع تنفجر في وشنا تاني وهكذا..
وهو ده بيت القصيد، طريقة إدارة الطواريء المستمرة دي ماسمهاش إدارة. يعني مفهوم إن خلفيتك عسكرية وطريقة تفكيرك ماتسمحلكش بالتفكير في المشكلة أكتر من خمس دقايق، وإن حلولك كلها وليدة اللحظة ومن غير خطط لأنك بتتعامل مع طواريء ولأن “الجيش قالك إتصرف” ،، بس يا معلم بعد ٦٠ سنة حكم المفروض يكون عندكو شوية بعد نظر وخطط أعمق شوية من “الجيش قالك إتصرف”

٢
المفاجآت غير المفاجئة!

قرأنا منذ فترة عن زيارة وزير الصحة والإسكان إلى محافظة الإسكندرية لتفقد المنشآت الصحية. المكتب الإعلامي في الوزارة أرسل قبلها بيوم إيميل للصحفين يتحدث عن الزيارة المفاجأة/ الغير مفاجأة.
كنت دائما أفكر من صغري عن سر وسبب الزيارات المفاجئة لأنها عمرها لا كانت مفاجأة ولا سرية، من وقت ما كنا في المدرسة وييجي مفتش كان المدرسين والناظر عارفين قبلها بكام يوم أو بكام ساعة في اسوأ حسبة، نفس الأمر في الجيش الّ اعتقدت إن الموضوع هيختلف فيه. زيارات مفاجئة ومرتبة ومعلنة للقادة وللجنود. والنتيجة كانت ترتيب المشهد لكي يخرج بشكل يعجب السيد المسؤول العسكري/ المدني.

٣
الهوس بنداءات الجمع/ الحشد/ التمام

انزلوا يا مصرين يوم الجمعة لتفويضي في مواجهة العنف لمحتمل، الجملة التي لن ينساها جيلنا، وزير الدفاع ورئيس البلاد منذ ٣٠ يونيو، يطلب الدعم والمؤازاة ويؤجج مزيدا من المواجهات الأهلية عبر هوسه المستمد من تقاليد المؤسسة العسكرية: اجمعوا “التمام”.
يطمئن العسكريون حين يجدون في نفسهم القدرة على جمع الجميع، الخضوع الكامل لندائهم. يفعلون هذا مع الناس، كما يفعلونه مع الحكومة حين تحدث كارثة كبيرة بحجم ما جرى في الإسكندرية.
الخبر الذي تصدر الصحف الحكومية يوم كارثة الإسكندرية: ترأس الرئيس عبد الفتاح السيسي، اجتماعًا عاجلاً للحكومة بكامل تشكيلها، برئاسة المهندس شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء.
جمع الحكومة والتمام عليها في حد ذاته لن يحل المشكلة، لكن هوس الضبط والربط حاضر في مخيلة حكام مصر الحاليين.
في كل مشكلة تتعرض لها كتيبة في الجيش، يُطلب كل أفراد الكتيبة للتمام على عددهم، ولذكر المهام الموكلة إليهم، لا يطلب الضابط أو المسؤول حينها، تقريرا بحسن سير العمل أو معوقاته، بل يطلب الاسم والمهمة. وهو ما فعله السيسي في اجتماعه العاجل مع الحكومة بكامل تشكيلها. لا بد أن تكون الاجتماعات بكامل التشكيل، لاحظوا أن التعبير يعمل في طياته عملا عسكريا، يحب العسكريون أن يكون الاجتماع عاجلا أو مبكرا أو طارئا.
القدرة على الجمع ركن عسكري هام، وهو مصطلح سمعناه كثيرا في أفلام إسماعيل ياسين: اجمع هنا يا عسكري.

٤
موت الناس لا يعني المحاسبة

خبر: أعلن كمال الشريف وكيل وزارة التضامن الاجتماعي، صرف ١٠ آلاف جنيه لأسرة كل متوفى في الإسكندرية نتيجة الطقس السيئ، فضلا عن صرف ٥ آلاف جنيه للمصاب بشرط مرور ٢٤ ساعة على وجوده بالمستشفى.
تعليق: ضمن كلام كثير، يسمعه كل من دخل الجيش للتجنيد الإجباري في مصر، أن هناك نسبة مئوية من الجنود لا يُسأل عنها قائد الكتيبة إن تعرضوا للوفاة أو الإصابة في مشاريع الحرب التي تجرى داخل القوات المسلحة. ليس لدي معلومات موثقة عن هذه المعلومة سوى ما هو معروف للجميع، تقع النسبة بين ١٥٪ و٢٠٪ من نسبة مجندي الكتيبة.
دايما بسأل نفسي: هل يتعامل السيسي ونظامه العسكري مع المصريين بالطريقة نفسها، مبكرا قال أنه: ما المانع أن نظلم جيلا أو جيلين من أجل مصر؟ يتخطى الأمر إذاً عدة مواطنين يتوفاهم الله هنا أو هناك، في كارثة أو حوادث طرق. يرى الجنرال ومن معه أنه لا مانع من التضحية بجيل أو إثنين، بكل بساطة.
هل يرى العسكريين المواطنين كأرقام في وحدات عسكرية قوامها المحافظات والمدن الرئيسية في مصر؟ مصيبة لو كانت الحسبة كذلك، الوطن مش معسكر ومواطنيه مش جنود محدودي العدد في كتيبة أو لواء.

٥
لا تبادر، وانتظر القرار العسكري

خبر: قال رئيس الهيئة العربية للتصنيع، الفريق عبدالعزيز سيف الدين،أنه مستعد لتوريد ما يزيد عن ٣٠ سيارة شفط مياه لمحافظة الإسكندرية، على مدار شهرين، على أن تكون الدفعة الأولى بعدد ١٢ سيارة.
تعليق: يقضي التفكير والممارسة العسكريين على روح المبادرة، لا يستطيع جندي أو ضابط في الجيش أن يبادر بحل مشكلة من تلقاء نفسه، وهو أمر محمود ضمن إطار العسكرية، لكنه لن يظل مقبولا في مصر التي يحكمها السيسي والجنرالات الآن.
لم تنزل سيارات الهيئة العربية للتصنيع بناءاً على قرار من أي مستوى قيادي منخفض بها، لم تنزل إلا بعد أن اجتمع السيسي شخصياً بحكومته.
هذا فضلاً عن كونها نزلت بسيارات لا تمتلكها أجهزة المطافي والإنقاذ في الدولة المصرية التي يحكمها الجيش. يهتم بتطوير مؤسساته الموازية ولا يهتم بنفس القدر بأجهزة الدولة المدنية المتداعية.

٦
بيت الأسرار

رغم أن دولا كثيرة في العالم، العالم الطبيعي، تعرض ميزانية جيوشها في البرلمانات المنتخبة، بل وتعرضها على مواقع الإنترنت بكل تفاصيلها، وتتحدث عن مشاريع تطوير أسلحتها وتمنح الصحفيين الفرصة لمتابعة هذه المشاريع، وتتيح المعلومات اللازمة لدافعي الضرائب للاطمئنان على أين تذهب أموالهم. إلا أن الأمر مختلف في مصر. الأمر غير متعلق هنا بميزانية الجيش لا سمح الله ولا أسلحته التي يطورها مع قائد الأسطول الخامس المحبوس في سجن العزولي. بل يتعلق الأمر بقيمة المحاسبة والشفافية كقيم مطلوبة في الحياة المدنية.
بعد كل كارثة تحدث في مصر، ولتكن كارثة الأمطار مثالاً، تعلن النيابة بدأها التحقيقات، متى ستخرج هذه التحقيقات للنور وكيف سيعرف عنها المواطنين؟ لن يحدث. الدولة عسكرية ومسؤوليها قادمين من بيت الأسرار الكبير الذي لا يعرف عنه أحد. أتذكر الآن قضايا عسكرية ومحاكمات وقعت لمواطنين مدنيين بعد ثورة يناير. لم تتح سجلات التحقيق ولا تفاصيل القضايا لأسر المتهمين.
الأمر الآن أكبر من كل ذلك، تتعلق شفافية المحاسبة الآن بدولة وجهاز إداري مدني يتبع تدريجا تقاليد السلطة العسكرية الحاكمة في مصر الآن.

٧
التجنيد الإجباري كسخرة؟

يتعرض الكثير من المجندين أصحاب المهارات المهنية لتجنيد من نوع مختلف، كثير منهم يعمل بمهارته في الجيش ومبانيه، والقليل يعمل لدى عسكريين نافذين في وحداتهم العسكرية. حديثي هنا ليس عن الجندي وعمله، رغم أهميتهما، بل عن منهج العمل القائم دائماً علي ضرورة الإنجاز في أقصر وقت ممكن.
لم يتأخر علينا عبد الفتاح السيسي حين طلب من شركات الحفر الدولية، حفر قناة السويس خلال سنة، ولم يتأخر مرة أخرى حين طلب من شركة إماراتية إنشاء عاصمة جديدة خلال سنوات أقل من ثلاث.
لا ينظر العسكريين للموظفين المدنيين في الدولة إلا باعتبارهم مجندين في الجيش، لا يتخيل المسؤول وهو في العادة لواء مسؤول عن محافظة أو إدارة وزارة أن مشكلات الدولة تأخد وقتا للتفكير وخطوات التنفيذ، وأن أسلوب العمل المستمر لإنجاز أي حل عاجل مهما كان ارتفاع كلفته وانخفاض كفاءته لن يكون في صالح إصلاح مرافق الدولة.

٨
الجيش والعالم، أو كيف أصبح الجيش كوكب الأرض؟

لا يتخيل قادة الجيش أن غيرهم قادر علي معرفة ما يحدث في العالم قبلهم أو بطريقة غير طرقهم. في عام ٢٠٠٦ وأثناء تجنيد أحد الأصدقاء، كانت حرب لبنان وهجوم الإحتلال الإسرائيلي على أراضيه. شاهد الصديق المجند بدايات الحرب على شاشة الجزيرة في كافتيريا أحد معسكرات الجيش، وكان يعمل مع أحد قادة هذا المعسكر. سارع بإيقاظ القائد العسكري ليخبره فما كان رده سوى أن أمسك المجند ليسأله كيف عرف؟ وكيف وصلته المعلومات وقيادة الجيش لم تخبره بعد؟ رد عليه:

يا فندم الجزيرة بتبث الحرب مباشر! لم يصدق القائد العسكري إلا بعد أن وصلته برقية على مكتبه بعدها بساعات أن هناك مواجهة عسكرية مع التفاصيل.
ولا تزال الأزمة مستمرة، لم يستوعب الجنرالات بعد أن العالم قرية صغيرة، وأن أزمة أمنية ضخمة كالتي حدثت مع الطائرة الروسية لن تمر مرور الكرام، وأن أجهزة أمنية ودولا أخرى تراقب المجال الجوي لأماكن الأزمات بالأقمار الصناعية التي تعمل لأغراض عسكرية ومدنية.
في نفس الوقت فهؤلاء الجنرالات يفتخرون فيما بينهم بالدورات العسكرية التي حصلوا عليها في الولايات المتحدة كمثال، في الوقت الذي يهاجم فيه جنرالات سابقون الولايات المتحدة ويزعمون أنها تقود مؤامرة عليهم وأنهم مقابل ذلك قد اختطفوا قائد الأسطول الأمريكي الخامس الذي حاول مهاجمة الأراضي المصرية ليساعد في فك أسر الرئيس السابق محمد مرسي.
في الوقت الذي يحصل فيه الجيش المصري علي ثاني أكبر مساعدات مالية وتقنية من الجيش الأمريكي بعد جيش الإحتلال الإسرائيلي، يعجز الجنرالات على تصديق أن أوهام المؤامرة الكونية والمجلس الأعلى للعالم لا تستطيع أن تعيش كثيرا وأن تتعامل مع العالم بوضوح وفهم هو أفضل كثيرا من إنكار العالم وتصور أن مصر مركز الأرض لأن لكل وهم نهاية ونهاية أوهام الجنرالات قد أصبحت قريبة.

وأخيرا

دروس كتير عايشتها أثناء فترة تجنيدي في القوات المسلحة، لا زلت ممتناً لهذه الفترة من حياتي التي تعلمت فيها وشاهدت مصر مصغرة، مصر عسكرية لن تتقدم ولن تطور إلا بعد حسم مسألة عسكرة الدولة، والتخلص من السيطرة على أجهزتها الإدارية من قِبل نخبة عسكرية، الأفيد لها أن تعود لثكناتها (لتقوم بواجبها الجليل في حماية الوطن) أو لمنازلها بعد المعاش لتهتم بشؤونها بدلا من تدمير مصر وهو ما لن يحدث، لأن الناس لن تسمح بذلك.
عاجلا أو آجلا مصر لن تستمر كمعسكر.

عن عبد الرحمن منصور

عبد الرحمن منصور
ناشط سياسي

اترك تعليقاً