العقد الاجتماعي الحقيقي

وبالتالي كان أي كلام عن خلافات دستورية كان فعلا لا يخص الشعب في شيء
وبالتالي كان أي كلام عن خلافات دستورية كان فعلا لا يخص الشعب في شيء

بداية يبدو أن كلامي ده متأخر قليلا، لكني اظن أنه بيعيد طرح نفسه بقوة وسط الاحداث..

 

رجوعا بالاحداث سنتين ورا، سنجد أن كلما تكلم احد السياسيين أو الإعلاميين عن الدستور من بداية الثورة وحتى لحظتنا هذه فهو كان دائما بيقرنه بلفظ العقد الاجتماعي الذي سيتعايش به المصريون مع بعضهم البعض ومع السلطة الجديدة التي ستعبر عنهم، والحقيقة أن اغلب قضايا الدستور لم اتحمس لها بأي شكل من الاشكال، لأني كنت في النهاية عارف أن العقد الاجتماعي في حقيقة الامر استحالة يكون الدستور.

 

بمعنى أن العقد الاجتماعي إلي كان سائد في ظل النظام السابق، والذي ربما يستمر إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، كان مصدره شيء آخر تماما غير الدستور والقوانين وتصرفات الحكومة، كان مصدره اتفاقات ضمنية ما بين الشعب ونفسه، وبين الشعب والسلطة، الاتفاقات ديه إما كانت غض الطرف عن ظواهر واوضاع ربما تكون مرفوضة أو مجرمة قانونيا ودستوريا، أو كانت الاعتراف عن نفس الظواهر المرفوضة أو المجرمة كأمر واقع لا يمكن التعامل معه بالمواجهة.

 

بعيدا عن التنظير الكتير، كان مسموح (مسموح بالمعنى الحرفي*) بامتلاك اسلحة في المناطق إلي فيها عصبية وقبلية زي الصعيد وسينا، وكان مسموح كذلك بالاقتصاد الموازي (اقتصاد بير السلم) وحاجات كتير هي اخطر من كده بكتير، ده بالنسبة للدولة.

 

أما بالنسبة للعقد الاجتماعي إلي كان ما بين الشعب ونفسه، فكان مسموح بالرشوة، كان مسموح بالوساطة، إلي اتقننت في بعض الاماكن بظهور ما يسمى بتعيين ابناء العاملين، بالإضافة إلى اعطاء امتيازات اجتماعية وادبية لطبقات ومهن بعينها تعتبر هي قمة الهرم الاجتماعي، يصنف على اساسها درجة المواطن وبالتالي استحقاقته وقوته على انتزاع استحقاقته هذه.

 

هو ده في النهاية واشياء تانية كتير ما يسمى بالعقد الاجتماعي الحقيقي، وبالتالي كان أي كلام عن خلافات دستورية كان فعلا لا يخص الشعب في شيء، إذ أن اغلبها تتحدث عن نظام الحكم، ومؤسسات الدولة، وتداول السلطة، والحريات والحقوق، وهي كلها امور لا تدخل ضمن العقد الاجتماعي الي بيمشي يوم المواطن العادي من وجهة نظره، إلا إذا طبعا هبت دولة حقيقية تستطيع فرض هذه البنود إلي في النهاية هتؤثر على حياة المواطن، وده شيء اظنه غير متوقع، في ظل وجود رغبة سياسية في السلطة، مش إرادة سياسية للحل.

 

ليه بقى باستدعي النظرية ديه تاني، بأن للناس عقد اجتماعي خاص بيهم، ولا علاقة لهم بالدستور ولا بنظام الحكم، باعتبار أن هناك دولتين، دولة الشعب، ودولة الحكم؟

 

الحقيقة أن – كما يبدو لي يعني – أن هناك عداء قديم بين الدولتين إلي فشلت الثورة في توحيدهم، وأن الثورة قامت اصلا، أو نقدر نقول أنها لاقت قبول في بدايتها، أو لم تلاقي مقاومة حقيقية لها في بدايتها، لأن دولة الشعب شعرت بتعدي دولة الحكم عليها، بانتزاع اراضيها، وبيع مصانعها، وتسريح عمالها.

 

نفس إلي بيحصل مع دولة الحكم الجديدة، إلي بتؤرق دولة الشعب في ارزاقها، ونمط حياتها، ومؤخرا في الاحداث الاخيرة، في ارواح ابناءها.

 

فالكلام مثلا عن احترام القضاء، وانقاذ هيبته، وهيبة الشرطة، وهيبة الرئيس، هو كلام فارغ باعتبارها كلها مؤسسات خارج حسابات المواطنين العادين الذي هم في اقتصاد موازي غير معترف به، وغير محمين بالقانون، ولم يحصلوا على أدنى حقوقهم، إن لم يكن اغلبهم مطلوبين ومطاردين بقوة القانون اصلا.

 

وبالتالي فقضية مثل مذبحة بورسعيد، طبيعي نجد أن المطلوب هو الانتقام لا القصاص، أو البراءة حتى للمجرمين لا العدالة.

 

ومعنى هذا أن الدولة لا تحتاج لمؤامرة لاسقاطها، لأنها اسقطت من حسابات الشعب منذ زمن طويل، يوم ما اصبحت ملاذا للقادر والقوي والغني.

 

وهي غير مهددة، لأنها غير موجودة، غاية ما فيه، أنه يتم تهزيقها عيانا بيانا امام اصحابها الحقيقيين الذين يسافرون هنا وهناك باسمها، او يقضون مصالح على حسها.

 

كان الامل في الثورة في توحيد الدولتين، لكن يبدو أن عواجيز السلطة والمعارضة تخطوا مرحلة الفشل، ووصلوا لمرحلة الإفشال.

 

 

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

اترك تعليقاً