عدة أشياء (قصة قصيرة)

«عدة أشياء يتمناها طفل جائع، في اللحظات المتفرقة القليلة التي يعرف فيها الشبع؛ لذا كان ضروريًّا أن يبقى جائعًا طوال الوقت لكي يحتمل هذه الحياة».

كاتب الرومانسية ذو الرأس الخالية من الشعر، يستحوذ عليه شعورٌ بائس، وهو في قمة النجاح، ويفترض أن تظهر ابتسامته العريضة وهو يتحدث أمام جمهوره في حفل توقيع آخر إصداراته الأدبية.

بينما تنحني رؤوس الحضور على تلك الصفحات الباهتة؛ حيث يشكو الجميع تلك الوحدة الصماء، يتحدثون بنرجسية، ويقفون على أعتاب الجنون، ويقولون إن الحياة أصبحت قاسية. لا أحد يستمع، الجميع يتكلم ويبغي الاهتمام ولفت الأنظار.

«عدة أشياء يتمناها طفل جائع …».

الكاتب الرومانسي الأصلع يعدِّل من وضعية نظارته، ويبتسم ابتسامة كسيرة أمام قرَّائه، ملقيًا نظرة عابرة على النافذة الواسعة في الجهة المقابلة قائلًا لنفسه إننا أصبحنا غرباء. تزداد ابتسامته انكسارًا عندما يلتفت إلى الرؤوس المحنية أمامه، ويكاد يسمع تكَّات تدويناتهم السريعة من منصته.

أغلب الأشياء تنتقل إلينا عبر أنواع من الزجاج، في هذه اللحظة، عدسات وشاشات … وربما عبر زجاج هذه النافذة العريضة أيضًا، يسحب الكاتب نظارته ويضعها على المكتب، لا يرغب في المزيد من الزجاج.

– شكرًا لحضوركم اليوم.

للحظة تبدو العيون معلَّقة عليه؛ لعلها تجد في كلماته شيئًا جديرًا بالتدوين.

«عدة أشياء يتمناها طفل جائع …».

وُريقات من مدونته الورقية تتحدث أمامه، لكن بدون صوت، تبدو عازلة للصوت مثل ذلك الزجاج الذي يمنعنا من سماع صوت المارة خلفه. الكلمات المنمقة بدت محبوسة في أقفاص شبيهة بتلك الموجودة في حديقة الحيوان، وربما أقل حظًّا.

على الأقل، يمكن لزائر متهور أن يمد يده بين قضبانها ليلمس أحد الحيوانات. والقفص بخلاف الزجاج؛ لا يسمح لشيء بالمرور، لكن ربما — وهذ نادر الحدوث — يسمح لابتسامة صادقة أن تُطِل من خلفه.

– الحقيقة، يهمني أن أسمعكم أكثر من أن أتكلم.

أشياء كثيرة مخيبة للآمال تحدث. كان يُفترض أن يُسمع منه رأيه في العديد من تلك الأحداث، حتمًا سيكون من بينها مقتل بائع بطاطا لم يتعدَّ العشر سنوات أثناء اشتباكات.

لا داعي لأن يسأله أحد، عليه دائمًا أن يجيب، هذا هو الحال منذ أن احترف الكتابة؛ الإجابة على كل سؤال. لذا سيُضطر بعد لحظات من الابتسامات الباردة من على شفاه مزمومة تصطف على مقاعد مقابلة لا تريد أن تتحرك؛ أن يبدأ هو بالكلام.

– أظن أن لديَّ تفسيرًا للإحباط العام المنتشر في تلك الأيام، أحب أن أناقشكم فيه.

وضع نظارته مجددًا على وجهه، فعاد للرؤية من خلف زجاجها بوضوح، وبدأ ينقل كلماته من الورقة إلى رأسه، ثم إلى لسانه في حذر، وكان ما يقوله محكَمًا، لدرجة أن مداخلات جمهوره جاءت مؤكدة لنظرياته، وتلقاها جميعًا دون أن يبدي شعوره بالملل. اكتفى بإسقاط النظارة مرة أخرى على الطاولة المقابلة، وعندما طالت المداخلات عادت عيناه لزجاج النافذة.

«عدة أشياء يتمناها طفل جائع، تُرى ما هي؟!»

على الزجاج بدت ابتسامة باهتة من الخارج، عالقة على سطحها ببقايا بخار أنفاس أحدهم … غاب، غالَب دمعة غير مبررة، معلنًا أنه أصبح جاهزًا لتوقيع النسخ.

بعد توقيع عدة نسخ، أخرج مفكرة ورقية من جيبه ودوَّن.

«عدة أشياء يتمناها طفل جائع؛ أولها ألا يعاوده الجوع».

على الرصيف، حيث كان ينتظر سيارة أجرة، ألقى نظرة أخيرة على زجاج النافذة من الخارج، على المقاعد الحبيسة بالداخل، ثم على طفل بدا نائمًا متكورًا على نفسه تحت النافذة من الخارج دون غطاء، وضع يديه في جيوبه محاولًا إخراج عدة جنيهات، اصطدمت إحداهما بمفكرته التي كانت مفتوحة على ملاحظته الأخيرة.

القاهرة – الثلاثاء 19 مارس 2013

لتحميل المجموعة القصصية:

قصص أخرى من قصص البقاء في الأسر:

البقاء في الأسر (قصة قصيرة)

السد (قصة قصيرة)

الغاز المُسيل للشجون (قصة قصيرة)

خيال مريض (قصة قصيرة)

أحلامُه الأخيرة.. (قصة قصيرة)

دفاتر.. أقراص (قصة قصيرة)

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

تحميل «الغرق وأشياء وأخرى» لـ لبنى أحمد نور

المجموعة الشعرية الخامسة للشاعرة لبنى أحمد نور. «الغرق وأشياء أخرى» كتاب بدرجات اللون الأزرق، فيه …