اللقاء الأخير (قصة قصيرة)

تحذير: قد يحتوي النص على أفكار أو خواطر متعلقة بالانتحار أو إيذاء النفس وغير مناسبة لبعض القراء.

كان يوماً عاديًا بالنسبة لنادين، بل رُبما أقل من عادي بقليل. وخزتها معدتها، مذكرةً إياها أنها لم تتناول أي شيء منذ الصباح.

“لن تنفعك وظيفتُكِ بشيء إن انهرتِ،” رنت في أذنيها نصائح أمِها.

“اعتناؤك بنفسِكِ ليس رفاهية يا نادين.”

أما الأسوء، فكانت حين تقول، “تعرِفينَ كمْ هو مؤلم أن ترين فلذةَ كبدِكِ تتألم.”

ثم ذات مساء قالت: “أنتِ تقتلين نفسك هكذا…”

غريب. لم تزعج الفكرة نادين، بل حمستها قليلاً. أن تموت؟ لن يكون بالتأكيد أبشع ما قد يحدث لها.

كانت تسير في محطة المترو المكتظة بعد يوم طويل من العمل، بعينين هائمتين تنظران إلى الأمام دون الالتفات إلى تفاصيل بعينها. أزعجتها فكرة أن تعود إلى المنزل، أن تبقى بمفردها، وأزعجتها أكثر فكرة أن تعود إلى منزل والديْها، أن تنهال أمُها عليها بوابل من النصائح إزاء حياتها وانهماكها الشديد في العمل. تذكرتْ آخر محادثة هاتفية بينهما حين كررت أمها لما بدا أنه المرة الألف أنها تقلق بشأنها.

“أنتِ ابنتي يا نادين. لا أحبُ أن أراكِ هكذا. وأنتِ قبل كل شيء أُم وتعرفين معنى أن يحترق قلبك على ولدك.”

حينها صمتت نادين هنيهة. ازدردت ريقها، ومسحت دموع عنيدة تسللت من طرف عينيها بباطن كفها.

لم يكن عدلاً.

استعادت رباطة جأشها واحتد صوتها وهي تقول: “إن كنتِ قد نسيتِ، لم أعد أماً، حسناً؟”

ثم أغلقت الهاتف، ولم تعاود الاتصال بأمها منذ ذلك اليوم.

لم تكن تعرف كم من الوقت مر عليها منذ أن وصلت إلى محطة المترو. كانت تائهة، تسير بلا وجهة. جلست تُراقب المارة، تتخيل حكاياتهم. شاهدت فتاتان تصغرانها بعشر سنوات على الأقل تثرثران وتضحكان، كل واحدة منهما تحمل كتاباً أو اثنين وحقيبة صغيرة على ظهرها. خمنت أنهما طالبتان في المرحلة الجامعية، ربما كانتا تتحدثان عن ذلك الصبي الوسيم في صفهما، أو عن آخر رحلة قامتا بها معاً، أو عن روتين العناية بالبشرة الذي تتبعانه، وربما أوشكتا على التخرج وكانتا ترسمان خططاً للمستقبل.

رأت رجلاً سبعينياً يحمل أكياس مشتريات البقالة، بدا مُنهكاً، ولكن سعيداً. ربما سيزوره أحفاده بعد غياب طويل، وامرأة ثلاثينية تهدهد صغيراً عمره أشهر. حين كانت تتخيل حكايات الغرباء، تنسى حكايتها المُحملة بخيبة الآمال ومرارة الفقدان، ولو قليلاً.

تنسى أنها امرأة أحبت وتزوجت وأنجبت، قبل أن تفقد كل شيء.

لم يكن وجودها هنا محض مصادفة. في الواقع، لم يكن هُناك سبباً عملياً لوجودها في محطة المترو تلك. هي تمتلك سيارة، وعملها بأي حال من الأحوال يوفر للموظفين باصاً يقلهم من المكتب وإليه. جاءت إلى هنا، إلى هذه المحطة تحديداً لأنها تعرف أن مروان يمر هنا كل يوم ما بين الساعة السادسة والنصف والسابعة مساءاً. لم يكن أحد على علم بمجيئها إلى هنا، ولا حتى مروان نفسه. تأتي إلى هنا على الأقل ثلاث مرات في الأسبوع، تجلس وتراقب حتى تلمح مروان سائراً بين المارة، غير مدرك لوجودها، غير واعٍ بدقات قلبها المتسارعة.

ظهر مروان حين صارت الساعة السابعة والربع. كم كانت تتوق إلى أن تعود الأمور إلى سابق عهدها، أن يضمها، أن يخبرها أنه ندم أنه تركها، ولكن مروان لم يفعل أياً من ذلك. مروان حبيبها وزوجها ووالد صغيرها لم يفعل أياً من ذلك.

استيقظت ذات صباح وقد حصلت لأول مرة منذ ولادة الصغير على ليلة كاملة من النوم. لم يستيقظ صغيرها طوال الليل، ولكن الأمر الذي أفجعها بحق هو أنه لم يستيقظ في الصباح كذلك. لم يكن عمره قد تجاوز الستة شهور بعد، ولكن الصغير، رحل، هكذا، بلا مقدمات. كفت فجأة عن كونها نادين الأم والزوجة والابنة والموظفة والصديقة والجارة، وصارت المرأة التي فقدت صغيرها فحسب. غرقت في بحر قاتم من السواد، ولم تكن متأكدة أنها ستكون يوماً قادرة على الخروج منه.

لازمت فراشها، توقفت عن تنظيف المنزل وتحضير الطعام، ثم توقفت حتى عن الاعتناء بنفسها. صارت رائحتها لا تُطاق. شعرها دائماً أشعث وملابسها متسخة. ومروان يخرج إلى عمله، ويعود في نهاية اليوم ليجدها قابعة في فراشها كما تركها في الصباح. يجبرها على النهوض، يحضر لها الطعام، ويساعدها على الاستحمام. في النهاية، اتصل بأمها وقال أنه لم يعد يقوى على تحمل الموقف: فقد ابنه تماماً مثلما فقدت نادين صغيرها، ولم يعد قادراً على رؤية زوجته تخسر نفسها.

بكى مروان، وعبر عن أسفه وندمه وطلب منها الغفران. تخلى عنها، حين كانت في أمس الحاجة إليه. قالت إن أسرتها انتشلته من الفقر المدقع الذي كان يعيش فيه، إنه تزوجها من أجل مال أبويها فحسب، إنه كان إنسان نذل وخس، وبالطبع لم تنس أن تذكره أن الشقة التي يقيمان فيها ملكها، وطلبت منه أن يعود إلى الشارع الذي جاء منه.

ورغم كل شيء، رحل مروان، بخير، دون خدوش، وكأن فقدان الصغير دمرها هي وحسب، في حين نجح هو أن يعود إلى الحياة من جديد.

حين رأته في محطة المترو ذلك المساء، خرجت ذكرياتها دون رادع، كسد فاضت فيه المياه فاجتاحت كل شيء أمامها. المرة الأولى التي رأته فيها، يوم زفافهما، شهر العسل، يوم ولادة الصغير، شجاراتهما التافهة، كل شيء، كل اللحظات الجميلة قبل أن يحدث ما حدث.

ثم وقعت عيني مروان عليها. رأت مزيج من المشاعر يعتلي ملامحه، الصدمة، الفزع، الألم، ثم التجاهل. أشاح بوجهه عنها. لم يبتسم، ولم يعترف ولو حتى ضمنياً بوجودها. بدا للحظات قليلاً لو أن كل ما يشعر به نحوها هو مشاعر كثيفة من البغض والاحتقار.

مضى في سبيله، وكأن رؤيتها واقفة هنا كان من وحي خياله. مضى مروان، بعد أن قلب حياة نادين رأساً على عقب.

اتخذت نادين قرارها في غضون ثوان قليلة.

كان القطار يقترب من المحطة، نظرت إليه ثم نهضت من مقعدها واقتربت من الحافة، وقبل أن يتمكن سائق القطار من الضغط على الفرامل، قفزت. كان وجه صغيرها آخر ما رأته نادين قبل أن يرتطم وجهها بالأرض.

لم يكن في النهاية، يوماً عادياً في حياة نادين.

عن بسمة طه

كاتبة ومحررة مستقلة، نشرت العديد من المقالات باللغتين العربية والإنجليزية.

شاهد أيضاً

تحميل «الغرق وأشياء وأخرى» لـ لبنى أحمد نور

المجموعة الشعرية الخامسة للشاعرة لبنى أحمد نور. «الغرق وأشياء أخرى» كتاب بدرجات اللون الأزرق، فيه …