الكذبة المثالية (قصة – الحلقة الثالثة)

(5)

بيتي كما كان، لم يختلف شيء، توقعت أن أعود لبيت مقولب لا مكان لي فيه، من الباب الخلفي دخلت، وجدته أمام نافذة تطل على الشارع، أكان ينتظرني؟

حرصي لم يسعفني، وحفظي لي لكل شبر في بيتي لم يمنع اصطدامي بالطاولة وأنا أتقهقر للخلف في المطبخ محاولا الوصول لدرج السكاكين ومراقبا للكائن من خلال باب المطبخ الذي يطل على الصالة.

سقوط الكوب في كف يدي بدلا من سقوطه على الأرض أراحني من الهروب، ومع ذلك اختبأت تحت الطاولة مع الكوب الذي كان سيسقط منها، شعرت أنه يقترب من المطبخ، ربما سمع صوت الاصطدام الخفيف، أو أن قدراته التي يحكون عنها مكنته من سماع تدحرج الكوب من على الطاولة، أو ربما سمع همسي “الحمد لله”.

أشكر وأنا تحت الطاولة أحد زملاء الحركة على مفرشه القبيح والكبير لدرجة أنه يصل إلى الأرض، وأشكر فيه سخافته وإصراره على فرش المفرش في كل مرة يزورني ويجد فيها أن المفرش ملقى بجوار سلة المهملات، أشكر فيه غباءه لعدم فهمه الرسالة من تواجد مفرشه بجوار المهملات.

“جميل أن تحميك أشياء رفضتها وكرهتها”

خاطر غريب!

الهروب يجعلني أفكر في أشياء غريبة في مواقف الخطر! هدوء، وصوت أقدام، وخبطتين فوق الطاولة أيقظوني من خاطر أغرب. “كيف يكره الإنسان شيئا يجهله، كيف يخاف منه؟”

ها هو يدور مرات حول الطاولة، أنقض عليه الآن؟ لا، أنتظر حتى يخرج من المطبخ والحق به بيد الهون.

أأقتله؟ نعم، كيف؟ كما فكرت، كنت أبحث عنه، هو الآن مصدر خطر، إذن أصدقهم، ربما، إذن ما فائدة كل ما فعلته، ها هو يخرج بعد أن خبط الباب بإحدى أطرافه، لا لن أفعل، أذهب، أنتظر، الآن، ما الذي أفعله.

اليد بجوار الحوض، إنها معي الآن، تحرك بسرعة، سأدفعه أولا في اتجاه الكنبة التي أمام التليفزيون، أخل توازنه وأضربه مرة، لا تكفي سأضربه مرة أخرى، احترس شيء غريب في يده، قريبة جدا من وجهي، آه، المكان يدور بي، هل يسقط هو أيضا؟ يبدو كذذذ …

(6)

أشعر بوجودي، أنا لم أمت رغم ما حدث، كأني أرتاح، راحة جبرية … لا أقوى على الوقوف، لكن عقلي لا يتوقف رغم البطحة. كل ما حدث يمر أمامي؛ ذكريات 6 أشهر قفزت أمامي

فلتقفز، ولم لا؟ طالما لا أقوى على شيء سوى التذكر:

أن تفقد ثقتك في العالم بمرور الوقت، وتبحث عن آخر، تستجدي نجوم السماء أن ترسل وسيلة ما، لتنقلك إليها، بعيدا عن حقائق لا تصدقها، عن قواعد وثوابت لا تتأقلم معها، هذا هو مبررك القوي لصناعة عالم في خيالك، تعيش فيه وحدك، منتظرا زائرا ما يحقق خيالاتك، أو حتى يغير عالما لا تعيشه، يقلبه رأسا على عقب، يسويه بالأرض، المهم ألا يبقى الحال كما هو عليه.

لهذا اهتممت كمجنون سيطرت عليه فكرة لا يجوز أن يجاهر بها، وإلا انكشف أمره، وعظم ذنبه، ورُمي في مصحة للمخبولين.

كيف أقول أني سعيد بوجوده وهو خطر على العالم؟ كيف أكشف أني كنت أنتظره؟ كيف أعلن أني أعتقد في أخويته لي في رفض أرضنا هذه وقواعدها السخيفة؟ كيف أقنعهم بأنه هبط إلى الأرض لأجلي ولأجل خيال ينتظر التحقيق؟

لم أقل شيئا بلساني، لكن بحثي قد يكون فضحني، مناشداتي، تزعمي، قيادتي وتنظيمي لفعاليات تحث الجهات الرسمية في العالم على كشف المزيد من المعلومات تحت ستار أني أطالب من خلال حركتي التي أنشأتها أن تبذل تلك الجهات جهودا أكبر للوصول إلى حقيقة هذا الكائن وطبيعة نواياه .

نعم أعمل تحت ستار حركة تحاول مد يد العون لهذه الجهات من جهة وتطالبها بتكثيف جهودها مرة أخرى، أما الحقيقة فأنا أثق في قدرات تلك الجهات وفي جدية عملها، وأشك إلى درجة اليقين في مصداقيتها، وأثق في رغبتها التاريخية في حجب الحقائق عن الناس لاستغلال جهلهم في قضايا عدة وتحريكهم بسهولة أكبر كقطع الشطرنج.

اخترقت عزلتي، وتخلصت من غربتي بشكل مؤقت، لعبت بقواعد رفضتها، وخرجت للعالم الذي لا أريده، لأخرج من رحمه عالما أريده، أخفوه عني لأسباب لا أعرفها.

قاومني الإعلام، اتهمني علماؤهم بالجهل، قاوموا كل نظرية أو فكرة أطرحها بجملة واحدة: أنت غير متخصص.

في البداية التف حولي جموع من الشعوب، كونت شبكة من العلاقات عبرت المحيطات، انهارت فور بروز العروض المنهالة على أركان حركتي، كقذائف لا تقاوم، وفضلت الأركان المصالح والمناصب والأموال في مقابل زهيد جدا، الإنكار، إنكار أفكاري، بل التنكر لي شخصيا، لم يتبق حولي سوى المهووسين وضعيفي العقل وهكذا احتفظت بالزعامة، وبنبذ عقلاء الشعوب.

ورغم الانهيار والتشكيك فيَّ وفي حركتي لا يجرؤ أحد على منعي من الدخول في التفاصيل، والبحث عن الحقائق في كل مكان، هذه هي فائدة مسرحية الشفافية التي يمثلونها أمام جمهور العالم، ومسرحيتهم مكتملة الأركان، فكل الحقائق مخفية، صناديق الكبار التي لا تفتح، وكل الأكاذيب متوفرة في مصادر الصدق المزعومة مفتوحة الأبواب أمام الجميع لتدعيم مبدأ الشفافية.

لكن شفافيتهم تعرض لنا حقائق ناقصة، مبتورة، منزوعة الأمانة، بمعنى آخر أكاذيب من نوع خاص، لكن اسمها العلني والتجاري “حقائق”.

(يُتبع)

فبراير 2009

 

الحلقات السابقة:

الكذبة المثالية (قصة – الحلقة الأولى)

الكذبة المثالية (قصة – الحلقة الثانية)

لتحميل المجموعة القصصية:

صدر أيضًا للكاتب:

 

 

 

 

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

خيال مريض (قصة قصيرة)

يدفعه أخوه من أعلى برج القاهرة، تلتقطه أمه برفق ثم تسأله: «اسم حضرتك إيه يا …