العالم الذي أعرفه.. أكتبه

دائمًا ما اتخيل نفسي حاضرًا في برنامج تلفزيوني أو واقفًا على منصة أحاضر بأفكاري عن الكتابة، بالرغم من انتاجي شديد الندرة، لعل لهذا علاقة بالافتتان بالنفس، لكنها أيضًا أفكارًا حقيقية، استخدمها أحيانًا في الحديث مع بعض الأصدقاء المهتمين بالكتابة، فليس الأمر مجرد وهم، وقد تكون هذه طريقتي في استعراض أفكاري، شخصًا ما يسأل وأنا أجيب.

برزت أحدى هذه التجليات بشكلها الكامل بالأمس، وأنا بين اليقظة والنوم، إذ تخيلت الصراع الذي يفرضه استخدام/اقتباس عناصر من الواقع الذي نعيشه، على سبيل المثال سمات شخصية حقيقية تُدمج في شخصية أدبية من أجل خلق حبكة ما، وما يستتبعه من انزعاج صاحب الشخصية الحقيقية.

أقول دائمًا، في خيالي، إن استخدامك لأشياء من حياتك الواقعية لا يعني نقلها الأمين، وإلا كنت صحفيًا أو حتى باحثًا، وإنما هو مجرد استخلاص بذرة من ثمرة أكلتها، تغسلها وتجففها ثم تدفنها وترويها، بينما هي تنمو وتتشكل من تلقاء نفسها حسب خصائصها وما حصلت عليه من غذاء في عملية التمثيل الضوئي.

لعل أبرز مثال قد استخدمه في هذا الشأن هو قصة لم اكتبها أبدًا، لأنني اخترعتها من أجل المقاربة فحسب.

هب أنني أعبر طريق لا تسير فيه السيارات بسرعات عالية لدرجة أنني لم أهتم بالالتفات جهة اليمين واليسار قبل عبوري، وأنما كنت أنظر لشاشة هاتفي لأرد على رسالة فيسبوك وردتني، وحدث أن ظهرت سيارة مسرعة، وقد أتت من الاتجاه المعاكس، – إذ لا أود في هذه القصة أن اتحمل المسئولية كاملة – فسمرتني الصدمة في مكاني واستعددت لاصطدام عنيف قد يُفضي إلى موتي، ولوهلة تخيلت شذرًا من مشاهد تكفين وتشييع جثماني إلى مثواي الأخير، قبل أن ينجح قائد السيارة في التوقف أو مفاداتي، وهنا تنتهي الحادثة الحقيقية التي سأقتبسها في قصة أكتبها.

في قصتي سأحذف هذه النهاية السعيدة، أمحو فرص نجاتي بدفع طفل صغير إلى نهر الطريق بحيث إن فاداني قائد السيارة قتله، وعليه يقع اختيار ملك الموت علي عوضًا عنه. تطيح السيارة بي في الهواء وتصطدم جمجمتي بالأرض، وتتهشم بالكامل تقريبًا، وتفيض روحي على الفور، ويبدأ المشهد الكلاسيكي، حيث ترتفع روحي فوق الشارع، وليكن شارع المبتديان، وابدأ في رؤية الأشياء من أعلى: الشارع، كشك السجائر الذي يخرج صاحبه خلف الطفل الراكض ليطمئن عليه، وحديقة دار العلوم بموسيقاها الصاخبة التي لا تتوقف بينما يستمر الأطفال في الاستمتاع بلعبة السيارات المتصادمة، وعند مستوى معين تتوقف روحي عن الارتفاع، وتبقى لتتابع رحلة جثماني وما يدور حوله من أحداث.

تتلخص هذه الأحداث في أنه على الرغم من فقري، يكتشف الورثة، وهم أقارب من بعيد إذ لا أسرة لي في هذه القصة المتخيلة، نصيبًا في تركة لم أحصل عليه، مما يعني أن جميعهم سيحصلون على ثروة كبيرة في النهاية، وتبدأ روحي الساخطة في ترك الجثمان وتتبع الثروة عوضًا عنه، لتكتشف مرة بعد أخرى أن هذه الثروة ستحقق لكل شخص حلمًا لطالما راوده هو نفسه، بطل القصة، وصاحب الثورة، ولم يستطع تحقيقه في حياته، ليقرر أن يبحث عن طريقة لمنع هؤلاء من تحقيق أحلامهم، التي كانت أحلامه، مهما كلفه الأمر، فيجد طريقة تمكنه من هذا لكن ثمنها أن تذهب روحه إلى الجحيم في النهاية، باختصار تدور القصة حول الصراع بين شعوره بالحسرة ومصيره المظلم، وبعد عدة محاولات يجد أن الأمر لا يستحق التخلي عن خلاصه فيترك لأقاربه أحلامهم.

لعلني اسهبت قليلًا في كتابة القصة في هذا المقال، لكن هذا للتدليل، أولًا على حجم “الحقيقة” التي استخدمتها مقارنة بما تخيلته، وثانيًا على أن حتى ما تخيلته هو ما أعرفه، وليس ما اعتنقه من أفكار، وأن دوري في “خلق” هذا العالم الذي أكتبه ليس خلق عناصره من لا شيء، وأنما هو إعادة صياغة وترتيب ما أعرفه.

على الجانب الآخر إن الالتزام بالنقل “الأمين” للشخصيات والأحداث من الواقع، وهذا ما يفتن الكثير من الكُتاب في أعمالهم الأولى التي تخرج كنسخة محورة من سيرهم الذاتية، قد يثقل الكاتب ويحاصر خياله ويضعف الترابط السلس بين الشخصيات والأحداث، لذا ربما على الكاتب التخلص من “الثمرة” الكاملة، إلى أن يصل إلى نواة ما يقتبسه ليستخدمها بمرونة في قصته.

عن مصطفى علي أبو مسلم

محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

تحميل «الغرق وأشياء وأخرى» لـ لبنى أحمد نور

المجموعة الشعرية الخامسة للشاعرة لبنى أحمد نور. «الغرق وأشياء أخرى» كتاب بدرجات اللون الأزرق، فيه …