السد قصة قصيرة ضمن المجموعة القصصية "البقاء في الأسر" لمصطفى علي أبو مسلم

السد (قصة قصيرة)

كان سكان شارع السد لا يشكون من شيء سوى مقلب القمامة الضخم الذي يغذيه سوق الفاكهة الملاصق لمسجد «ست العواجز»، ولولا «هبيلة» الذي يسكن منذ زمن غير معلوم تلك «الخرابة»، لكانت ضمن ما يعتادونه من ظواهر غير حميدة في الحي الشعبي العريق، ولو كان «هبيلة» مشردًا عاديًّا، ممن يفترشون أرصفة ميدان السيدة زينب بالعشرات، ويمر هؤلاء السكان بجانب أجسادهم في ساعات متأخرة من الليل، أو في الساعات الأولى من الصباح، حيث يذهبون إلى أعمالهم، لكان مصيره أيضًا التجاهل غير المتعمد الذي تبنيه مشاعر مختلطة من الشفقة والازدراء ثم الاعتياد. لكن «هبيلة» قد جلب معه أسرته.

تتناثر حول هبيلة الكثير من الحكايات، ينسجها أولاد الحي المشاكسون، كلها لا تتناول تاريخه قبل أن يصبح مآله الخرابة، هذه أشياء تهم الكبار، أما هم فيشغلهم «عياله» الذين «خلفهم في الحرام من كلبة»، حسب أكثر الحكايات رواجًا بين أولاد الحي.

«عيال هبيلة» خمسة، يشكِّلون عصابة شديدة الشراسة في ساعات متأخرة من الليل، تقطع الطريق على المارة من المشاة، وتجري خلف السيارات، بينما ينامون تحت السيارات أغلب ساعات النهار.

كان للمشاكسين مغامرات وغارات عديدة على منطقة نفوذ «عيال هبيلة» حول الخرابة، لعل آخرها التي كُسرت فيه ساق أحد عيال هبيلة بعد أن عقر قدم أحد المشاكسين. وبعدها جرى اتفاق ضمني بين الطرفين على أن يحترم أولاد الحي منطقة نفوذ عيال هبيلة في الليل، على ألا يتعرض عيال هبيلة لأحد منهم أثناء مروره في هدوء.

***

في صباح مشرق، نفض هبيلة التراب عن جسده مقررًا ألا يعود مشردًا بعد اليوم، ترك الخرابة خلفه، وذهب إلى مسجد صغير لا يبعد عن خرابته سوى بضعة أمتار واغتسل، صلَّى الضحى، وقبل أن يخرج طالبًا العمل، جذبه إمام المسجد من جلبابه الذي كان رثًّا، وأجلسه أمامه وسأله عن اسمه. فقال له هبيلة، فقطب الشيخ حاجبيه قائلًا: «هبيلة ليس اسمًا، دعنا نناديك بعبد الرازق». سكت هبيلة طويلًا وكأنه ينادي على اسمه الذي نسيه، ثم همس: «كانوا بينادوني بالسيد زمان»، ربت الشيخ على ركبته وضحك: «ولا تزعل، اسمك السيد عبد الرازق». لم يُبدِ «السيد» اعتراضه، لكنه لم يستخدم سوى اسمه الأول الذي يعرفه ويُعرف به، أما عبد الرازق فهو لا يعرِّفه بنفسه بقدر ما يعرِّفه بخالقه.

خرج السيد بجلباب جديد قصير، كان قد أعطاه له إمام المسجد، إلى السوق طالبًا عملًا لدى فكهاني كان كثيرًا ما يعطف عليه ببضع ثمرات تالفة فيما مضى. تفرَّس في وجهه النظيف شعره المبلول قبل أن يتعرَّف عليه. هتف فيه: «نضفت يا هبيلة»، فهمس: «اسمي السيد»، فوكزه الفكهاني في كتفه: «وطلع لك صوت كمان، لكنه واطي زي صوت الحريم». كرَّر الفكهاني وكزه ودفعه للسيد وكأنه يختبر صلابة عوده: «وتعرف تشيل أقفاص 20 كيلو ويزيد؟!»

أمضى السيد هبيلة، كما يناديه صاحب العمل، نهاره كاملًا في حمل صناديق التفاح الأمريكاني والفراولة، من المخزن إلى العربة، ثم انضم إلى الفكهاني في النداء على بضاعته. كان يعرف ما يفعله دون إرشاد.

وقت الغداء؛ لم يجد مشقة في أن يحصل على عدة أرغفة من الفرن، ولم يجد حرجًا في طلب الشاي على حساب صاحب العمل؛ نظرًا لأنه لم يحصل على أول يومية له.

في الليل طرق بابًا لمحسن كبير سائلًا إياه مكانًا للمبيت لفترة مؤقتة، فأعطاه مفتاحًا لغرفة على السطح، سيدفع إيجارها بعد أن ينصلح الحال.

***

في الصباح وجد هبيلة نفسه في الشارع يسأل المارة في إلحاح، ويتحاشاه الجميع، غير ذلك الرجل الذي يخرج من جيبه عملة معدنية يدفعها في كفِّه دون أن ينظر إليه.

يمر أمام أحد معارض الأثاث بالشارع الذي يملكه محسن كبير، فيرى في واجهة المحل انعكاسًا لصورة رجل أشعث يلوِّح له ويسبُّه في الوقت نفسه، يبصق عليه، فيخرج عامل من المعرض ينهره مطالبًا إياه بالابتعاد.

يواصل هبيلة مسيره إلى السوق يطلب بالإشارة وبوقار يليق بعمدة قرية تفاحًا من الفكهاني، فيناوله الفكهاني بكفٍّ ثمرةً معطوبة، وبالكف الأخرى يلقي بالتحية على قفاه، يضحك عدد من البائعين، وتشعر أربعينية كانت تنقد البائع ثمن ثلاثة كيلوجرامات من التفاح بالاشمئزاز من تصرفه، لكنها لا تعلِّق.

قبل أن يذهب المشرد بعيدًا، كان قد حصل على تفاحة سليمة من هذه السيدة التي لم تسلم من لسانه وسط ضحك الباعة، لم تدخل هذه التفاحة فمه قبل ثلاثة أيام بعد أن تأكد تمامًا أنها فسدت بالكامل.

***

بعد أن أقام الإمام صلاة الفجر نظر خلفه على غير عادته مقلِّبًا ناظريه في الوجوه الناعسة التي تقف في الصف الوحيد والقصير، لم يجد بينهم السيد عبد الرازق. اضطرب لدرجة جعلته يعيد تلاوة الآيات ثلاث مرات بعد تصحيح بعض المصلين لقراءته.

هرول إلى الشارع بعد الصلاة دون أن يدري إلى أين يذهب. كان يعدو ذهابًا وإيابًا في أمتار معدودة أمام المسجد، متطلِّعًا إلى نهاية الشارع، ثم جلس في يأس على مصطبة بجوار بوابته، إلى أن ظهر السيد عبد الرازق مع طلوع الشمس. كان مبتسمًا.

قبل أن ينهض الشيخ الشاب غاضبًا من على المصطبة، صاح السيد عبد الرازق ضاحكًا:

– مش كان النوم على البلاط أحسن؟

لم يعطِ فرصة للشيخ ليستفهم.

– دفء الحصير والغطاء منعوني عن صلاة الفجر.

شعر الشيخ أن هناك قصة مريحة سيسمعها فتُخرس ضميره الذي كان حائرًا منذ أن قرر أن يقتطع من أموال التبرعات المخصصة لشراء سجاد فاخر للمسجد، لكي يشتري بها الحد الأدنى من الأثاث لغرفة ذلك المسكين العارية. قال لنفسه إن توفير مأوًى دافئ في برد قارس لمشرَّد أولى من شراء سجاد لا يصيب المصلين بتقرحات في جباههم. لكنه ظل يشعر بأن هناك خللًا ما في تصرفه.

– جارة كريمة بعتت مع ابنها سجادة قديمة ولحاف.

هز الشيخ رأسه ضاحكًا:

– قادر ربنا ينزعهم منك لو بطلت صلاة.

– ساعتها أصلي وأبات في الجامع.

ضحكا.

***

في الظهيرة خلع هبيلة سرواله وتغوط على أطراف الخرابة دون أن يبالي بصرخات الفتيات اللاتي كنَّ قد خرجن من مدرسة السنية الثانوية ومدرسة السيدة زينب التجارية للتو. ركضت الفتيات عندما اكتشفن أن جزءًا من تل القمامة يتحرك، ولم يدركن إلا في وقت متأخر، كن فيه أقرب ما يكون من رجل يتغوط في الطريق العام.

كانت التقلصات تقتله ألمًا، يريد أن يُخرج شيئًا فاسدًا من جوفه لعله يرتاح، كان يراقب أثناء محاولاته المارة والسيارات والموتوسيكلات التي يركبها الشباب ويزيد نشاطها في هذا التوقيت بالذات، بدا له كل شيء يتحرك بتناغم لكن دون صوت، ساهم هذا في زيادة شعوره بالراحة. اقترب من لحظة الفرج، وعندما بدأ الأمر لاحظ دراجة بخارية ظهرت مسرعة عكس السير، تظاهر قائدها أنه سيصطدم بفتيات كن قد هربن من «المشهد»، ثم مر مسرعًا بجوار بضعة مصلين كانوا خارجين لتوهم من الجامع، فأجفل بعضهم، صاح أحدهم بعبارة بذيئة، وعندما وصل سائق الدراجة البخارية إلى الخرابة فرد ساقه ليصدم هبيلة في صدره، ثم استمر في طريقه ضاحكًا.

أنهى هبيلة ما بدأه وهو مستلقٍ على ظهره إثر الضربة، ثم قام ملطخًا بالقمامة والفضلات مرتديًا سرواله وماسحًا كفَّيه في صدره، وتوجه إلى المصلين طالبًا منهم حسنة كما اعتاد كل يوم، هرول أغلبهم ضاحكين ولاعنين آباءه وأجداده.

من بوابة المسجد، أطل الشيخ برأسه ليرى الجلبة التي أحدثها المارة بالخارج، ساءه ما رآه، فعاد إلى مجلسه بالداخل.

***

مع الشيخ والفكهاني والمحسن الكبير جلس السيد على المقهى مرتديًا جلبابًا جديدًا، اشتراه من حرِّ ماله، كان طويلًا بالقدر الكافي، عكس الجلباب الذي أهداه إليه الشيخ، كان ينصت في تعجُّب من فكرتهم.

أولًا غلبانة ويتيمة والستر حلو لها ولك.

أسبوع واحد يمر على حياته الجديدة، ويعرضون عليه التزوج من فتاة مليحة، هي بائعة جرجير صحيح، لكنها في النهاية تسكن في عشة صفيح في قلعة الكبش، وكان لها أهل حتى وقت قريب قبل أن تتيتَّم، بعكسه هو، كان منذ أسبوع فقط مشردًا يسكن الخرابة ويصادق الكلاب لانعدام الأهل والأصحاب.

غريبة!

ما غريب إلا الشيطان، نوينا نساعدك، قولك إيه؟

مفيهاش قول … بكرة نطلبها لك، ولا إيه رأيك يا شيخنا؟

لله الأمر من قبل ومن بعد.

قال في نفسه: شيء ما يجعل ما يحدث غريبًا وغير حقيقي. لكن رأسه امتلأ بطقوس الزفة وما بعدها فخرست كل الأفكار.

حتى إنه سمع أصوات ضرب النار في الهواء، كأن الزفة تبدأ الآن وليس بعد أسابيع.

***

كلبٌ بعد الآخر كان يعوي في ألم، وأصوات الطلقات تتوالى. عرف بعض الأهالي الذين أيقظتهم الجلبة قُبيل الفجر أن شكواهم ضد الكلاب الضالة تم البت فيها أخيرًا. أما بخصوص مقلب القمامة الذي يكومون فيه فضلاتهم، فلا حس ولا خبر حتى الآن.

لم ينظر أحد منهم من النافذة ليتابع ما يحدث بالأسفل، المشهد حتمًا سيكون داميًا وكئيبًا، لكنه سيكون مريحًا لهم وللكلاب على السواء، هكذا يظنون …

طال الضرب والكر والفر، ثم زاد العواء معبِّرًا عن ألم أشد. كان العواء جماعيًّا وحزينًا، توقف ضرب النار، وتوالت صيحات رجال بدا أنهم يهربون من الشارع في ارتباك، تركوا جثث الكلاب خلفهم. صاح أحدهم:

أنت اتعميت؟ هنروح في داهية الله يخرب بيتك.

فأجاب الآخر بصوت يشبه الولولة:

والله ما شُفْته بني آدم، كان كلب!

***

في صباح يوم مشرق بدا شارع السد دون مقلب قمامة ودون كلاب، كان هذا بعد زفة السيد عبد الرازق هبيلة بأيام.

 

القاهرة – الأربعاء 17 أبريل 2013

 

لتحميل المجموعة القصصية:

 

قصص أخرى من قصص البقاء في الأسر:

عدة أشياء (قصة قصيرة)

البقاء في الأسر (قصة قصيرة)

الغاز المُسيل للشجون (قصة قصيرة)

خيال مريض (قصة قصيرة)

أحلامُه الأخيرة.. (قصة قصيرة)

دفاتر.. أقراص (قصة قصيرة)

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

تحميل «الغرق وأشياء وأخرى» لـ لبنى أحمد نور

المجموعة الشعرية الخامسة للشاعرة لبنى أحمد نور. «الغرق وأشياء أخرى» كتاب بدرجات اللون الأزرق، فيه …