ملائكه الرحمه تنّفذ الموت الرحيم

ممرضات يتعلمن
هل يمكن ان تكون طلقه الرحمه حلا للأمراض المستعصيه والشيخوخه؟ ومتى نفكر بالموت بوصفه حلا لما نعانيه؟ وهل يمكن أن يكون التخلص من الحياه أمر قابلا للتنفيذ؟
وأخيرا وليس بآخرا.. هل يعتبر هذا العمل جريمة قتل يعاقب عليها الطبيب أم يعد عملا إنسانيا مشروعا؟ وهل تسمح الأديان حتى بمجرد التفكير فى الموت الرحيم؟
فالقتل الرحيم ,الموت الرحيم ,ورصاصة الرحمه, كل تلك العبارت تدل على أمر واحد وهو إنهاء عذاب مريض استحال شفاؤه  بواسطة أساليب طبيه غير مؤلمه ,وهذا الموضوع ليس بجديد إذ أن الشعوب والقبائل البدائيه كانت تمارسه فكانت  القبيلة مثلا تقتل الكسيح لأنه يعيق قبيلته فى تنقلاتها أو تدفن أصحاب الأمراض المعديه أحياء لأسباب وقائيه , إلا أن الحياة نعمة من الله والروح الانسانيه هبة أعطانا إياها رب العالمين لنحيا بها وهذا أمر يفوق قدرة الانسان لأن أخذ الروح وإنهاء حياة الأشخاص رهن بإرادة الله فقط ولا يحق لإنسان أن يقرر مصير انسان آخر أو حتى مصيره بنفسه.
ومن هنا أثار الموت الرحيم جدلا كبيرا فى الأوساط الاجتماعية وانقسمت أراء الناس بين مؤيدين ومعارضين فمنهم من رفض رفضا تاما مناقشه المسأله حتى لو كان المريض على فراش الموت ينازع ويحتضر فيما شجع البعض الآخر على اتخاذ مثل هذا القرار لكونه حسب رأيه الحل الأنسب لوقف عذاب و آلام المريض وبالأخص آلام ذويه…
وجاء رأى دكتور”إسلام عبد الظاهر” مدير مستشفى الكوثر الخاصة : من وجهه نظرى كإنسان لا أوافق أبدا على هذا النوع من الراحه للمريض كما يسمونه البعض بل أعتبره جريمة لابد أن يعاقب عليها القانون ولكن  الطب يفسر ذلك النوع البشع من الجرائم على أنه عملية للمريض لأجل الانتهاء من عذابه الأليم وبالتالى هى عملية  تسرّع من انتهاء حياة المريض وتقصر حالات الألم التى لا أمل فى الشفاء منها كذلك مساعدة أهل المريض فى تخفيف العذاب الذى يعيشونه بسبب مشاهدتهم لحال مريضهم فى حاله يُرثى لها  وقد أضاف قائلا : الموت الرحيم يُنفّذ فى الحالات المرضيه التاليه :
الحاله الاولى : “الكوما” فى درجاتها القصوى التى يكون فيها المريض فى حاله تنفس صناعى بسبب غيبوبه متقدمه مع أضرار قوية فى الدماغ….
الحالة الثانية : الأمراض المستعصية المسببة للأوجاع الأليمه كالسرطان وخصوصا عندما ينتشر  فى كل الجسم.
الحالة الثالثة : التهاب الرئة المزمن الذى يمنع المريض من التنفس إلا بواسطة الآلات “التنفس الصناعي” إلى ما هنالك من حالات صعبة ومستعصية ولا أمل لها بالشفاء طبيا…..
وقد أضاف الدكتور”إسلام” : أما عن الأساليب المعتمده فى البلدان المتقدمة لوضع حد لعذاب المريض الميؤوس من حالته فهي :
– إيقاف عمل الآلة.
– تخفيف كمية الأكسجين.
– إعطاء المريض أدويه خاصة على مراحل تؤدي إلى توقف عمل القلب.
وقد علّق قائلا : الموت الرحيم هو استجابة الطبيب المعالج لرغبة مريضه بإنهاء حياته نتيجه لمعاناة المريض من الآلام المبرحة التى لا يمكن تحملها والميؤوس من شفائها نهائيا وقطعيا…..
وقد قال الشيخ”أسامه فتحي” إمام مسجد سعد الدين العراقى : اذا كان القتل بدافع الرحمة يعنى إنهاء حياة إنسان أو مساعدته على الإنتحار فإن الأديان كلها تحرّم ذلك تحريما مطلقا وتعتبره جريمه قتل لأن الله هو الوحيد الذى يحيي ويميت وكثير من الآيات القرآنيه التي تدل على أن الموت هو من حق الله وحده واهب الحياة …
وقد أضاف فضيلته قائلا : قد حرص الإسلام على حياة الإنسان ولم يجعل النفس ملكا حتى للإنسان ذاته وإنما هي ملك لله استودعه الله إياها فلا يجوز له الانتحار كما لا يجوز له التفريط فيها بواسطة الغير ولو كان طبيبا يهدف الى إراحه المريض من آلامه…
وقد قال معقبا على كلامه : هناك جملة من الأسباب توضح لنا مدى بشاعة الموت الرحيم الذى يؤمن به البعض ومدى خطأ مفهومه وهي : أن هناك مئات الحالات من المرضى الميؤوس من شفائهم قد منّ الله عليهم بالشفاء وعاشوا عشرات السنين بعد أن كانوا يحتضرون وأن العلم يأتي بكل ما هو جديد _على حد علمي_ كل يوم ومن الممكن للمريض الذى لا علاج له اليوم أن يشفيه الله غدا وأن مهمة الطبيب حماية حياة المرضى ومتابعة علاجهم بكل الوسائل الممكنة وفقا بقسم “أبقراط”الطبي .. -ولا هما بس فالحين يقولوا كلام إنشائي ويقسموا أقسام وميعملوش بيها-على حد تعبيره .
وبالرغم من ذلك كله يتحول بنا الحديث عن الموت الرحيم الى الحديث عن الموت الاكلينيكي ليعرض وجهة نظر مخالفة  تماما لرأي  أحد شيوخ الازهر
  ففي كتاب  “بيان الناس” للشيخ “جاد الحق علي” يقول فيه : اما بالنسبه للموت الاكلينيكى فانه يمنع تعذيب المريض المحتضر باستعمال ايه ادوات او ادويه حتى يتبين للطبيب ان هذا كله لا جدوى منه وعلى هذا فلا اثم اذا اوقفت الاجهزه التى تساعد على التنفس وعلى النبض متى تبين للمختص القائم بالعلاج ان حاله المحتضر ذاهبه به الى الموت … وقد استند شيخ الازهر السابق “جاد الحق” فى ذلك الى مقررات مجمع الفقه الاسلامى الثالث التابع لمنظمه المؤتمر الاسلامى المنعقد فى عمان بالاردن عام 1987م حول اجهزه الانعاش والموت الاكلينيكى وهذا ما اقره ايضا مؤتمر جنيف الدولى المنعقد عام 1979م اذ عرف المؤتمر الموت بتوقف جذع المخ عن العمل بغض النظر عن نبض القلب بالاجهزه الصناعيه ورفع تلك الاجهزه الصناعيه عن المريض هو ما سماه بالموت الرحيم السلبى ومال الى جوازه دون اعلان رسمى واضح للجميع…
وبعد جدل واستفتاءات ونقاش دام اعوام كثيره صدر اول قانون فى العالم يقنن وينظم الموت الرحيم ويعده عملا مشروعا وفق حالات وشروط دقيقه يحددها الطبيب المتابع لحاله المريض …
وكانت أول دوله تقر الموت الرحيم هى هولندا بعدما صدر مجلس النواب الهولندى هذا القرار ولكن معارضى  القانون اتهموا الحكومه الهولنديه بأنها اصدرت هذا القانون لتخفف من مصاريف المعالجه الطبيه والادويه للمواطنين …
لكن بلجيكا لم تعير اهتماما لما تقوله باقى الدول وبعد سنه من تطبيق تلك القانون فى هولندا اصدرت بلجيكا قانونا اخر وقرارا يأمر جميع المستشفيات بتنفيذ الموت الرحيم فى الحالات المستعصيه وللمره الاولى فى تاريخ البشريه ينظم الموت الرحيم على الصعيد المدنى والاجتماعى والقانونى …
وحاليا في فرنسا تجرى الحوارات والمناقشات حول تطبيقه
وقد قال المستشار “محمد فؤاد” الخبير الدولي في حقوق الإنسان والنظم السياسية ونائب رئيس مجلس الدوله سابقا: جميع التشريعات والقوانين فى اكثر بلدان العالم لا تقر به لاى سبب من الاسباب ويوجب العقاب على كل من يقوم به ….
وأضاف قائلا : قانون الاعمال السورى على سبيل المثال صنف هذه الاعمال فى باب القتل القصد ويعاقب مرتكبيه بالاشغال الشاقه من 15 الى 20 سنه وتبقى اذن صفه جرم القتل الذى يعاقب عليه القانون مهما يكن نوعه …
وقد أعقب كلامه قائلا  : وهنا نبين ميل الغالبيه الى مشروعيه الموت الاكلينيكى لذا يجب المطالبه بتعديل قانون العقوبات والاخذ بنظريه الموت الاكلينيكى على الاقل وان اقدام الطبيب بهذه الحاله على نزع جميع الالات والادوات وايقاف الادويه عن المريض يعتبر عملا غير مشروعا ايضا لان هذا  يعتبر موتا رحيما ايضا ولكن سلبيا …
وقد أضاف لنا دكتور”إبراهيم شوقي” أستاذ علم الاجتماع بجامعه حلوان سابقا : ان الموت الرحيم يمارس بشكل خفى فى كثير من المجتمعات بالرغم من حظره دينيا وقانونيا والذين يقومون يبررون فعلهم بدوافع انسانيه محضه لتخليص المريض من وضع ميؤوس من شفائه ….
وقد أوضح قوله مفصلا : على سبيل المثال فلقد اعترف احد الاطباء الفرنسيين بأنه مارس الموت الرحيم على العديد من مرضاه كما ان ممرضا امريكيا اطلق على نفسه اسم ملاك الموت حيث كان ينهى حيوات بعض المرضى الميؤوس من شفائهم حتى انه فى احدى المرات خنق مريضا ظل يتنفس بعد ان نزع عنه جهاز التنفس الاصطناعى…..
وقد توجد بالفعل عده دول تبحث الان امكانيه الاقتداء بهولندا مثل استراليا ونيوزلنده وفرنسا بالطبع اولهم وسواهم لاصدار قانون مماثل للموت الرحيم وهكذا …

عن ياسمين المساوي

ياسمين المساوي
صحفية بمجلة نصف الدنيا- مؤسسة الأهرام. أسعى بخطوات ثابتة نحو أحلامي.

شاهد أيضاً

مجلة فورورد السنة الرابعة العدد الخامس والعشرون يناير 2014

اترك تعليقاً