واجهة المقهى بشارع طلعت حرب

“مقهى ريش” الاسم مقهى والتاريخ صالون ثقافي

واجهة المقهى بشارع طلعت حرب
واجهة المقهى بشارع طلعت حرب
تعبر باباً بمفاصل نحاسية يبدو عليه أثر الزمن برغم الاعتناء به، فتخرج من مصر 2015 لتجد نفسك فجأة فى زمن العشرينيات من القرن الماضي. مستطيلات متداخلة في مربعات في مستطيلات أخرى تُشكل جدار هذا المقهى العريق الذي دلفنا إليه للتو.
يباغتك صوت الموسيقار محمد عبد الوهاب “أنسى الدنيا وريح بالك!” كفأل حسن.
المباخر النحاسية متدلية من الجانبين، مع الإضاءة الدائرية توحي لك بأنك في كوكب آخر يمتزج فيه الفن الاسلامي مع المعاصر مع اللوحات التشكيلية، وصور رواد المكان القدامى: مصطفي وعلي امين، وأمل دنقل، ثم الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي .. لا .. ليس في صورة بل جالسا بنفسه على ثاني المقاعد المجاورة لتلك اللوحات.
عم فلفل، الجرسون الارستقراطي الأنيق، الذي لا يمكن تحديد عمره، يمر بحركته البطيئة بجوار بعض رواد مقهى ريش الذين حضروا خصيصا لحضور صالون قد دعى إليه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، لا لاحتساء المشروبات.
بزي أزرق بخطوط مزخرفة ذهبية اللون قدم الطلبات شاب في أوائل العشرينات، لكن حذائه الرياضي يعيدك مرة أخرى إلى الوقت الحاضر.
يظن الزائر الجديد للمقهى أن ما تقع عليه عيناه من طاولات وكراسي هي كل المقهى، بينما كشفت حركة قلقة في خلفية المكان أنه يجري التجهيز لمكان الحدث، حيث أتجه رواد الصالون وفي مقدمتهم الشاعر عبد المعطي حجازي صاحب الدعوة إلى باب جانبي، ومنه هبط درجات قديمة إلى خُن للشتاء.
طلبت الشاعرة فاطمة نعوت من أستاذها إقامة هذا الصالون الشهري
طلبت الشاعرة فاطمة نعوت من أستاذها إقامة هذا الصالون الشهري
فيما يبدو كمغارة مملوكية الطراز، ارتفعت درجة الحرارة بقدر درجات السُلم الذي هبطنا منه للتو، بدأ المدعوون في خلع أرديتهم الشتوية، بالخُن شاشة عرض وبروجكتور متصلاً بلاب توب.
في البدء طرح حجازي الخطوط العريضة لصالونه بأنه لن يتناول أشخاصاً أو يعلق على أحداث جارية أو ماضية، وعندما طالبت الشاعرة فاطمة نعوت بإصدار بيان تأسيسي عن الصالون اقترح الأستاذ أن يكتبه على أن يتركه للناقش مع كل الحضور فى المرة القادمة.
وكانت قد طلبت الشاعرة منذ نحو شهر من أستاذها أن يقيم صالوناً ثقافيا شهريا، وقالت فاطمة في مقال لها قبل الصالون بأيام أن أحد أسباب التراجع الذي يعيشه الجيل الحالي مقارنة بمن سبقوه هو غياب الحِراك الثقافى الشامل عن المجتمع. والذي كان أحد مظاهره الصالونات الثقافية التي تكاد أن تكون اختفت.
ويحكي حجازي عن مقهى ريش الذي احتضن المثقفين والأحداث الثقافية منذ إنشاءه في 1908 بما فيها صالون الأديب الراحل نجيب محفوظ الذي كان يعقده كل اسبوع قبل أن ينقله إلى مقهى عرابي، والذي لم يرتاده قبل سنة 1956، إذ كان يجلس على مقهي عبد الله الذي أُزيل الآن مع الناقد الكبير فى ذلك الوقت أنور المعداوي، ولم يجلس على “ريش”  قبل عمله بمجلة روزاليوسف، برغم مرتبه الأقل من راتبه بدار الهلال.
 
ينتفض رجل بجلبات أبيض وجاكت أسود معرفا نفسه بسيد موناليزا البقال وهو كان يمتلك مكتبة فيما معترضا على ضيق المكان وعدم مناسبته للحدث ليعرض على الموجودين استضافته للصالون في المرات المقبلة.
 
تتدخل أكاديمية في الحوار لتؤكد على أهمية المقهى الثقافية والتاريخية، مستعرضة تاريخ المقاهي الثقافية وهي تقليد فرنسي مما قبل الحرب العالمية الأولى وأنها كانت مساحة لتبادل الثقافة، ثم استعرضت المقاهي الأثرية فى مصر بداية من ماتاتيا، والذي كان مهندسا طلب منه الخديوي إسماعيل تجميل القاهرة، فبنى بناء جميلا جدا وبه مقهى “ماتاتيا” الذي هُدم لإنشاء نفق الأزهر، لنخسر عمارة تتخطى المئة سنة.
 
يأتي صوت أحدى الحضور من الخلف “لماذا لم يذكر احد مقهي ايزافتش؟” ينتبه حجازي لسؤالها ليسأل الحضور عمن جلس بمقهى “ايزافيتش”؟ لكن لا احد يرد، فيقول بأسف كان مقهي عظيم لكنه أُغلق منذ زمن بعيد.
 
ينخرط الحضور مع الشاعر في حديث في موضوعات مختلفة عن التعليم ومجانيته، وربط الحق في التصويت في الانتخابات بالتعليم، الموضوعات تسلم بعضها بعضا، المداخلات من الحضور والضحكات تتوالى، والأفكار تشكل شخصية الصالون، ويتواعدون على اللقاء دوريا أول جمعة من كل شهر.

 

مراجعة – مصطفى علي

عن معتز صلاح

معتز صلاح
دارس للنقد المسرحي وروائي، ومصور فوتوغرافي محترف.

اترك تعليقاً