الرئيسية / تقارير وتحقيقات / عبر التاريخ (2): هذه المواقع الإلكترونية تبيع آثارنا
رأس نفرتيتي
تمثال لرأس الملكة المصرية نيفرتيتي، وهي أبرز قطعة مصرية تعرض خارج موطنها - المصدر: wikimedia.org - Philip Pikart

عبر التاريخ (2): هذه المواقع الإلكترونية تبيع آثارنا

كتب – عمرو عبد الهادي:

 

الباحث في قضية الآثار يجد أن أساليب التهريب متعددة وكثيرة: منها عصابات من جنسيات متعددة، ورجال أعمال بمساعدة المصريين، أو عن طريق الحقائب الدبلوماسية التي لا تخضع للتفتيش في المطارات أو المنافذ، وكان قد صرّح الدكتور “جون كيلي” مدير متحف كليفلاند بالولايات المتحدة أن نسبة كبيرة من المعروضات المصرية بأمريكا جاءت مهربة في حقائب دبلوماسية.

 

الرجل الدبلوماسي في رأي الكثيرين هو المتهم الأول في أغلب سرقات الآثار، والسرقة تتم أحياناً عن طريق المهندسين والعاملين في شركات البترول، إذ يستخدمون طرق حديثة في البحث وبأجهزة متطورة وثمينة متوفرة فقط في شركات التنقيب الكبرى، تتم السرقة أيضًا تتم عن طريق البعثات الأجنبية نفسها، وليست كلها بغرض البحث العلمي، وإنما هناك دول تنفق عشرات الملايين، ويتم إعطاء منح للمفتشين والمنقبين مجاناً كي تنقب وتحصل على الآثار بغرض الإتجار دون علم الدولة المصرية.

 

الأغرب أن الآثار المصرية تُباع في الخارج في مزادات مُعلنة، وبشكل مقنن ومشروع وتحت غطاء أمني وحكومي، وتُعرض بالصور والسعر مثلها مثل أي سلعة تجاريةعادية، وبعضها على مواقع الإنترنت، وأغلبها مزادات إنجليزية وأمريكية معلنة ومؤمنة، منها مزاد بونامز بلندن في مايو 2013، حيث تمت عملية بيع 58 قطعة أثرية من أصل 97 قطعة تم عرضها، وكانت تكلفتهم ما يقرب من 416 ألف جنيه إسترليني، فضلًا عن مزاد كريستيز بنيويورك الذي عُقد في يونيو 2013، وبيعت فيه قطع أثرية نادرة بمبلغ 100 ألف دولار، وفي ديسمبر 2014 تم عرض آثار مصرية نادرة في مزاد بنيويورك يُدعى سوثبي، كانت من ضمن معروضاته تمثال من البازلت للملك تحتمس الثالث وصل سعره إلى 300 ألف دولار. العجيب أن مسئولي المزادات يؤكدون أن القطع الأثرية كانت مملوكة لهم قبل المزاد بشهور طويلة.

 

 

في يناير 2014 أجرت قناة العربية مقابلة مع أحد المهربين المصريين، والذي رفض الكشف عن هويته، كشف فيها معلومات عن الحفر والتنقيب خلسة وصولاً للبيع في المزادات العالمية عبر وسطاء وعملاء وبمساعدة مجموعة رجال يُطلق عليهم الشيوخ، مهمتهم تحديد أماكن الحفر.

 

 

وفي 2012 أنشأ مواطن أمريكي يُدعى “غبريال فاندرفورت” موقع إلكتروني (www.ancientresource.com) لبيع القطع الأثرية الأصلية من كل بلاد العالم، من بينها قطعًا أثرية مصرية، ويعرّف غبريال نفسه كمتخصص في بيع الأعمال الفنية التاريخية ويتعاون أحياناً مع جمعية ناشيونال جيوجرافيك الأمريكية، كما يؤكد أن كل معروضاته أصلية 100%، ومتاحة بأسعار معقولة على حد قوله، وأنه حصل على القطع الأثرية بشكل شرعي قبل إتفاقية اليونسكو 1970، وقبل تفعيل قوانين تجرّم الاتجار في الآثار.

 

 

يُرجعنا هذا إلى قصور اتفاقية اليونسكو، إذ أوضح “غبريال” أنه حصل على القطع الأثرية عن طريق المزادات في أوروبا وأمريكا وأحيانًا كان يشتريها من المتاحف نفسها، المتاحف التي من المفترض أنها حصلت على القطع الأثرية للعرض المتحفي فقط وليس للإتجار فيها، كيف لمتحف معروف دوليًا، وهو المتحف الوطني بإنجلترا, أن يبيع قطع أثرية لأشخاص دون الرجوع للبلد صاحبة الأثر؟

 

يقدم “غبريال” يقدم لعملائه شهادات موثقة تؤكد أصلية القطع، وشهادات تؤكد حصوله عليها بشكل قانوني، محذرًا من إستنساخ القطع المباعة لأنه يمتلك جميع الحقوق الملكية والفكرية لكل القطع التي بحوزته، ويذكر “غبريال” عنوانه وهاتفه على الموقع للتواصل معه، وبتصفح الموقع ستجد أن القطع الأثرية المصرية هي الأكثر عددًا، ولو ذكرنا أمثلة من أسعار القطع المعروضة ستجد قناع لتابوت طفل يعود تاريخه للأسرة الفرعونية الثلاثين سعره 600 دولار، وتمثال برونزي نادر للآله حورس سعره 275 دولار، ويبيع أيضاً عملات معدنية من عصر البطالمة سعرها يتراوح بين 500 و 1500 دولار حسب درجة نقاء العملة وأهميتها.

 

 

موقع إلكتروني آخر متخصص في بيع العملات المعدنية التاريخية فقط هو (www.vcoins.com)، ومن ضمنها العملات المصرية من عصر البطالمة وعصر الدولة العباسية ودولة المماليك، والأسعار تبدأ من 100 دولار وتصل إلى 2000 دولار، وموقع ثالث لبيع العملات المعدنية والذهبية النادرة هو (www.baldwin.co.uk)، والأسعار تبدأ من 200 جنيه إسترليني وتصل إلى 25 ألف جنيه إسترليني.

 

 

إن الآثار المصرية تُباع علنًا وبشكل قانوني وشرعي، وأي إنسان من أي مكان في العالم يمكنه الحصول على أي قطعة أثرية وهو جالس على مكتبه وبأسعار زهيدة جدًا.

 

 

وازدادت الأمور سوءًا بعد ثورة يناير 2011، حيث سُرقت 54 قطعة من المتحف المصري، أعيد منهم 21 قطعة فقط، أحداها تمثال خشبي للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى إضرار 70 قطعة جرّاء الإقتحام، واختفاء ما يقرب من 1000 قطعة من أحد متاحف المنيا، وقدّر الخبراء المصريين، سنة 2014، عدد المواقع الأثرية التي تم الاعتداء عليها منذ ثورة يناير في ما يقرب من 700 موقع، ما بين متحف ومخزن، ووصل عدد القطع المفقودة إلى 1228 قطعة أثرية، ويؤكد أحد الخبراء أن 40% من مخازن الآثار في أنحاء مصر تُسرق يومياً وبانتظام.

 

 

ودعى الدكتور ممدوح الدماطي وزير الآثار السابق سنة 2015 المصريين للتبرع لشراء أو استرداد تمثال أثري فرعوني نادر لـ “سخم كا” كان قد خرج من مصر في 1850، وعرضه أحد متاحف لندن للبيع بسعر 16 مليون جنيه إسترليني في فبراير 2015، وترك مهلة للحكومة المصرية 6 أشهر وسط إحتجاجات من الحكومة المصرية على طريقة البيع، والتي تخالف المواثيق والأعراف الدولية.

 

 

وعملية البيه هذه إن دلّت فهي تدل على عدم إهتمام الإنجليز وعدم اعتبارهم بالسيادة المصرية للدرجة التي سمحت بالمتاجرة علنًا في قطعة أثرية نادرة بيعت، في النهاية، لأميرة قطرية، وقيل مستثمر أجنبي بسعر 14 مليون جنيه إسترليني، بعد فشل الخارجية المصرية طوال 6 أشهر في استرداد قطعة أثرية أجمع العالم بأحقية مصر لها، وكان من الضروري أن توقف الحكومة المصرية عمل جميع البعثات الإنجليزية كرد فعل طبيعي، لكنها لم تفعل.

 

 

ولطالما مثل عجز الحكومات المتتابعة وغياب الوعي والثقافة والحنكة الدبلوماسية دائمًا عائقًا أمام أي محاولات لاسترداد ولو جزءًا صغيرًا من حقنا المسلوب، وكأن الشعب المصري هو المسئول عن تهريب الآثار كي يطلب منه الوزير التبرع بما يقرب من 160 مليون جنيه مصري، فهل يُعقل أن الدولة صاحبة الأثر يُقدم لها عرض لشراء آثارها؟ ولها أن تختار: تشتري أو تمتنع!

 

اقرأ أيضًا:

عبر التاريخ (1): القانون كان يحمي المهربين

شاهد أيضاً

رأس نفرتيتي

عبر التاريخ (1): القانون كان يحمي المهربين

كتب – عمرو عبد الهادي: عام 1835؛ وضعت مصر قواعد لحماية آثارها من السرقة والتهريب، …

تعليقات