الرئيسية / تقارير وتحقيقات / رحلة الأراجوز المصري إلى اليونسكو
صورة: نبيل بهجت

رحلة الأراجوز المصري إلى اليونسكو

يخطو بلا أقدام بهوًا على أيقاعات يألفها، بينما يصدح صوتًا صعيديًا بشعر حماسي يحكي بطولة من نفس بلاده البعيدة، وعندنا توسط -مجازًا- البهو الكائن بساحة فونتنوا بعاصمة النور يطلق زغرودته الشهيرة.

كان قد أُدرج الأراجوز بقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بمنظمة اليونسكو نهاية نوفمبر الماضي، أثناء الاجتماع السنوي للجنة الحكومية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة بجمهورية موريشيوس، بعد ضم كل من فن التحطيب المصري سنة 2016، والسيرة الهلالية سنة 2008 لذات القائمة.

في الاجتماع ذاته أُدرجت خمسة معارف وفنون من خمسة دول عربية أخرى هي: السامر، من المملكة الأردنية الهاشمية، والذي يتألف من الغناء والرقص. ومسرح الظل، من الجمهورية العربية السورية، الذي يؤدي فيه ظل الدُمى الورقية المُحركة بالأيدي الأدوار خلف شاشة شفافة الأدوار المسرحية. وعرضة الخيل والأبل، من سلطنة عمان، ويتجمع الناس في يوم العرضة حول مضمار السباق لمشاهدة عروض فرسان الخيل والإبل، فضلًا على الاستماع إلى القصائد التقليدية.

بالإضافة إلى المعارف العربية مثل مهارات نساء سينجان في مجال صناعة الفخار، من الجمهورية التونسية، إذ تتولى كل نساء الأسرة جميع مراحل صناعة الفخار، ويتولى رجال الأسرة بيع هذه القطع. ومهنة كيالي المياه، من الجمهورية الجزائرية الشعبية، والتي تقوم على مهمات حساب أسهم المياه والإصلاح وضبط حركة المياه في القنوات.

وتهدف اتفاقية “حماية التراث الثقافي غير المادي”، التي أُعتمدت في 17 أكتوبر 2013 بباريس، لصون التراث الثقافي غير المادي واحترامه، والتوعية به على الأصعدة المحلية والدولية، وبأهمية التقدير المتبادل لهذا التراث.

ويقصد بالتراث الثقافي غير المادي التقاليد وأشكال التعبير الشفهي، وفنون وتقاليد أداء العروض، والممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات، والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، ومهارات وفنون الحرف التقليدية.

وبحسب منظمة اليونسكو فإن هناك 52 عنصرًا على قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل عناصر التراث الحي المعرضة لخطر الاندثار، بجانب 399 عنصرًا على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية اليوم.

ويواجه فن الأراجوز المصري مخاطر اندثاره نظرًا لموت كثير من فنانيه، بجانب غياب صانعي عرائس العروض، خصوصًا بعد وفاة آخر صناع عرائس الأراجوز، محمد الفران، منذ ما يزيد على ثلاثين عامًا، واستبدال العرائس الخشبية بأخرى بلاستيكية.

فضلًا عن طبيعته الشفهية لانتقاله بين الفنانين وعدم وجود مخطوطات والتي ساهمت في اختفاء العشرات من عروضه، إذ يقدم اللاعبون الحاليون 19 عرضًا فقط، بحسب إحصاء أجرته اللجنة الوطنية لليونسكو، من أصل 164 عرضًا تراثيًا يقول الفنانون إنها كانت تقدم في زمن ماضٍ، ولا يذكر منها الفنانون المعاصرون إلا ذكريات بسيطة.

ومثل اختفاء تجمع الفنانين تهديدًا آخر، إذ تحولت إحدى مقاهيهم بشارع محمد علي لمركز تجاري لبيع الهواتف المحمولة، واختفاء معالم الحي ذاته والذي كان له تاريخًا فنيًا شعبيًا خلال السنوات الأخيرة. كما اختفت أيضًا كثيرًا من الموالد التي كانت موسمًا فنيًا لهؤلاء الفنانين.

وساهم في إهمال هذا الفن تأخر الباحثين في تسجيله، إذ لم يصدر عنه سوى كتاب واحد حتى سنة 2012 هو “الأراجوز المصري” عن المجلس الأعلى للثقافة، وللدكتور نبيل بهجت، وهو المستشار العلمي لملف إدراج “فن الدمى اليدوية المصرية التقليدية – الأراجوز” للقائمة، ويعتبر الكتاب الأول من نوعه الذي يتناول هذا الفن بالنقد والتحليل اعتمادًا على سبعة فنانين يقدمون هذا الفن حتى الآن، بحسب تقرير لموقع ميدل إيست أونلاين.

وقد حصر بهجت عروض الأراجوز التي استطاع حضورها لكل من الفنانين: “صلاح المصري، صابر شيكو، محمد كريمة، سيد الأسمر، سمير عبد العظيم، حسن سلطان، عم صابر المصري”، في 19 عرضًا هم: “جواز بالنبوت”، و”الأراجوز ومراته”، و”الست اللي بتولد”، و”الأراجوز ومراته السودة”، و”حرامي الشنطة”، و”البربري”، و”الشحات”، و”فنان بالعافية”، و”الحانوتي النصاب”، و”كلب السرايا”، و”حمودة وأخوه”، و”جر شكل”، و”الفتوة الغلباوي”، و”الأراجوز في سوق العصر”، و”أراجوز في الجيش”، و”حرب اليهود”، و”حرب بورسعيد”، و”العفريت”.

وبرغم شيوع اسم “الأراجوز” على هذه العروض، باعتباره الشخصية الرئيسية لها، إلا أنها تضم 14 دمية أخرى، لكن عادة ما تظهر شخصيتين أو ثلاثة في المشهد الواحد إذ يقدم العرض فنانًا واحدًا يؤدي جميع الشخصية بصوته وباستخدام أداة يضعها في سقف حلقه تسمى الأمانة وهي التي تُصدر صوت الأراجوز المميز.

وينظر معدو الملف إلى الأراجوز باعتباره رمزًا للشخصية المصرية، وتحمل عروضه رسالة رفض ونقد المجتمع وأشكال السلطة السائدة داخله سواءً كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية.

وينفي بهجت في كتابه زعم بعض المؤرخين بأن أصل اسم “الأراجوز” هو “قرقوز” اسم الشخصية الرئيسية في خيال الظل التركي، إذ يشير إلى أن فن خيال الظل، الذي ظهر وازدهر جنبًا إلى جنب مع الأراجوز في بر مصر، انتقل من مصر إلى تركيا، لذا من غير المنطقي أن يتأثر الأصل بالصورة.

بينما يرى آخرون في اسم “الأراجوز” تحريفًا لاسم وزيرًا مكروها لدى عموم المصريين نظرًا لظلمه وغبائه، وهو بهاء الدين قرقوش وزير صلاح الدين الأيوبي، إذ استخدمت هذه الدمية للسخرية المستترة منه، وعكس الوضع السياسي والاجتماعي.

ويُعتبر أقدم تسجيل لوجود الأراجوز في مصر هو كتاب “سياحتنامه مصر” للرحالة التركي أوليه جيلي، وكان قد زار مصر في القرن العاشر الهجري، إذ وصف أحد الفنانين وهو يلاطف المرضى بدمى  خشبية، بجانب إشارة العلماء الفرنسيين أثناء الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801م) لرجال يلعبون بالدمى في شوارع القاهرة.

وكانت قد أولت جهات ثقافية الاهتمام بفن الأراجوز منذ عام 2003، إذ أسس بهجت فرقة ومضة لتقديم هذا الفن بالتعاون مع أعضائها شيخ لاعبي الأراجوز عم صابر المصري واللاعب صابر شيكو وكل من الفنان علي ابوزيد سليمان والفنان محمود سيد حنفي والفنان مصطفى الصباغ والفنان صلاح بهجت، وخُصص بيت السحيمي من قبل وزارة الثقافة لعروض خيال الظل والأراجوز من التاريخ ذاته.

وتسعى اللجنة الوطنية المصرية لليونسكو لأدراج العشرات من العناصر لقائمة حصر التراث الثقافى اللامادى مثل حرفة الأيوما، وأغاني الفلاحين وقت العمل، ومنديل الأويه، والزفة الدمياطي، والصوفة، والسبوع.

 

نُشر التقرير لأول مرة بالعدد الأول لمجلة ميريت الثقافية – يناير 2019

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.
تعليقات