دفاعا عن الإسلام: هل تُقدّم الانتفاضات الشعبية الحل؟

تقرير الفيلم المسيء
كثيرا ما تدعو قيادات دينية وسياسية الجماهير إلى الانتفاض من أجل نصرة الدين أو رموزه عقِب كل إساءة تنال منه، الدعوة التي تجد استجابة واسعة بين المسلمين، الأمر الذي يثير التساؤل حول جدوى الانتفاضات الشعبية جَرّاء الإساءات المتكررة للإسلام ورموزه، ومدى فاعليتها، وما هي الطرق الأنسب للتعامل مع هذه الإساءات.
 30
تقدم مجلة فورورد عرضا تاريخيا للانتفاضات الشعبية التي شهدتها الأمة الإسلامية ضد الإساءات المتكررة لرموز الإسلام، ومدى نجاحها.
2011 ، 2012  – تيري جونز يعود
لعل أبرز ما يَذكره المسلمون عند سماع اسمه هو حرق مبشر إنجيلي أمريكي بولاية فلوريدا نسخة من المصحف (مارس 2011) أمام ثلاثين شخصا بكنيسته وهدّد بتكرار تجربته التي اعتبرها فرصة أخرى للمسلمين أن يدافعوا فيها عن كتابهم المقدس، واعتبر أن القرآن مُدانا بعد أن حاكمه في عدة جرائم ونفذ فيه حكم الحرق.
لكن فيلما مسيئا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنتجه بعض أقباط المهجر، وصفه رئيس الأركان الأمريكي بالإباحي، قد حظي بدعمه(دعم مين بالضبط ؟؟؟؟) أيضا، يزيد من رصيد عداءه للإسلام والمسلمين.
وينتفض المسلمون للمرة الثانية ضد تصرفاته العنصرية، في كل بقاع العالم، آملين في تراجع صُناع وأبطال الفيلم عن عرضه، مطالبين بالاعتذار، وهو أمر لن يكرره جونز، بعد أن تراجع بشكل مؤقت عن حرق القرآن في وقت سابق، حين رفض وساطة رئيس قوات الأركان الأمريكي، الذي يخشى أن تطال تبعات الأمر أرواح 74 ألف مقاتل أمريكي بأفغانستان.
سبتمبر 2005 – رسوم مسيئة لنبي الإسلام
بحلول شهر سبتمبر 2005 نشرت جريدة “يولاندس بوستن الدنماركية” رسوما مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأدّعت أنها أرادت أن تصور معاناة صحفي نرويجي اراد أن يجد رسّامين لكتابه المصور عن حياة نبي الإسلام، الأمر الذي رأته الصحيفة داعيا لنشر مقال تحت عنوان “الرهبة الشديدة من انتقاد الإسلام” كخطوة أولى لمسابقة نظمتها الجريدة ضمت 40 متسابقا تباروا في رسم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشكل أساء له، وللإسلام الذي يُحرّم تصويره أو رسمه كما يرى غالبية العلماء.
انتفض المسلمون على امتداد الكرة الارضية، مطالبين الجريدة ورئيس وزراء الدنمارك بالاعتذار، الأمر الذي رفضته الجريدة والحكومة إذ رأوا أنها مسألة تتعلق بحرية الرأي والتعبير، غير أن عموم المسلمين في العالم وجدوا في القضية إساءة لرمز دينهم، مما يقع تحت بند ازدراء الأديان المجرم في دول عدة.
بدأت الانتفاضة من موطن الرسوم، حيث طالبت جمعية المسلمين بالدنمارك باعتذار الجريدة، وتظاهر آلاف المسلمين أمام مقر الجريدة بكوبنهاجن، ثم بدأ الأمر يصل إلى الوطن العربي، نشرت جريدة الفجر المصرية بعض الرسومات من أجل التنديد بها، ومن هنا بدأت كرة الثلج تزداد حجما:
طلب 12 سفيرا لدول إسلامية بالدنمارك مقابلة رئيس الوزراء الدنماركي الذي رفض المقابلة مُعلّلًا ” بأن الحكومة لا تستطيع التدخل في حرية التعبير عن الرأي وأن أيّ قضية تتعلق بمهاجمة الدين يمكن عرضها على المحاكم”.
ثم بدأت تنتقل الانتفاضة إلى دول إسلامية كباكستان والسعودية ومصر وإيران وغيرها، تنوعت فيها درجة الانفعال ما بين حرق علم الدنمارك ودولا أخرى ساندتها، وحرق سفارتها نفسها بسوريا، بالإضافة إلى سفارات النرويج والسويد بتشيلي، كما اقتحمت كتائب شهداء الأقصى مقر الاتحاد الاوروبي بقطاع غزة، تنديدا بموقفها الداعم.
اسقط المُدّعي العام الدنماركي القضية التي رفعتها الجالية المُسلمة ضد الصحيفة، قبل أن تصل إلى القضاء، ورأى أنّ لا أساس لها.
وساهمت أعمال العنف ضد سفارات للدنمارك ولدول أوروبية وغربية تضامنت مع الدنمارك بعد حملات مقاطعة منتجاتها على مستوى الدول العربية والإسلامية، في دعم دُولًا ومنظمات لموقف الدنمارك والصحيفة ، حيث ساند الاتحاد الأوروبي الدنمارك معتبرا المقاطعة للمنتجات الدانماركية مخالف لقوانين التجارة العالمية.
كما قامت الصحيفة النرويجية Magazinet وصحيفتي” Die Welt ”
و” Berliner Zeitung” الألمانيتين، وصحيفة La Stampa الإيطالية، وصحيفة El Periodico الإسبانية، وVolkskrant الهولندية وصحف أخرى في أوروبا بإعادة نشر الصور الكاريكاتيرية.
ونشرت الصحيفة الفرنسية France Soir، رسوما جديدة لم تنشرها الجريدة الدنماركية، بالإضافة إلى عرض هيئة الإذاعة البريطانية BBC للرسوم على جمهورها.
واعتبر رئيس جمعية مراسلون بلا حدود أنّ الصحيفة قد لقنت العالم درسا في حرية التعبير عن الرأي.
اغسطس 2004 – “خضوع” فان جوخ
في خلفية مشهد الرسوم المسيئة كان الرأي العام العالمي لم ينسى حادث مقتل المخرج الهولندي “ثيو فان جوخ”، صاحب فيلم “الخضوع” الذي يصور حسبما يقول محللون أنّ العنف الأسري في العالم الإسلامي مرتبط أساسا بتعاليم الإسلام، وأظهر الفيلم صورا وشهادات لأربعة سيدات مسلمات مرسوم على ظهورهن آيات قرآنية كما تبدو عليهن آثار التعذيب.
ولم ينقضِ العام نفسه الذي عُرض فيه الفيلم حتى أطلق محمد بويري – هولنديا من أصل مغربي – 8 رصاصات على ثيو في الشارع وقطع رقبته، الأمر الذي اثار استهجان المجتمع الهولندي الذي بدأ ينظر لمستقبل الجالية الإسلامية  والتي قدرت وقتها بمليون نسمة بمزيد من التوتر.
غير أن القضية لم تنتهِ عند هذا الحد، فقد قرر فريق العمل استكمال الجزء الثاني من الفيلم، والذي قتل مخرجه قبل إنهاءه، كما صرحت كاتبة الفيلم “إيان هيرسي” أنها بصدد كتابة جزء ثالث أيضا
سلمان رشدي – يُهدر دمه!
وترى منظمات وهيئات غربية في حوادث اغتيال لأدباء ومفكرين، وفتاوى إهدار دمهم، سببا أدعى لتبنّي انتقادات ضد الإسلام، بل ذهبت إلى تكريم بعضٍ من هؤلاء، وهو ما أدى إلى انتفاضات أخرى .
لعل أبرز هؤلاء الكاتب البريطاني -هندي الأصل- “سلمان رشدي”، صاحب الرواية “آيات شيطانية”، التي أدّى نشرها عام 1988 إلى ضجة كبيرة في دول العالم الإسلامي لانّ الكتاب تعرض لشخص الرسول بالتطاول، وهو ما كلفه محاولة اغتيال فاشلة قام بها أحد عناصر حزب الله، بناءًا على فتوى بهدر دمه اصدرها الإمام الخميني عام 1989.
وأثار منحه لقب فارس من قبل ملكة بريطانيا في يونيو 2007، ردود فعل رسمية وشعبية غاضبة بالبلدان الإسلامية، وفي المقابل مُنع أعضاء مجلس العلماء بباكستان من منح أسامة بن لادن لقب “سيف الله”،
وجدّد أحمد خاتمي فتوى هدر دم الكاتب، التي أصدرها الإمام الخميني، مؤكدا أنّها لا تزال سارية، وغير قابلة للتعديل.
في نفس السياق، يفقد المسلمون تعاطف الرأي العالمي، كلما تعلقت الانتفاضات لما يراه إبداعا أو حرية تعبير عن الرأي، مما يعود بالذاكرة لحوادث اغتيال المفكر فرج فودة يونيو 1992، ومحاولة الاغتيال الفاشلة للأديب نجيب محفوظ اكتوبر 1995.
وتلقى الروايات والأعمال الفكرية التي ينتفض المسلمون ضدها رواجا أكبر، وربما بشهرة لم تكن لتحظى بها دون الانتفاضات، كرواية الكاتب السوري حيدر حيدر “وليمة لأعشاب البحر” التي قررت الدولة نشرها فثار طلاب الأزهر (مايو 2000) على مدار أسبوع كامل أدّى إلى سحب الرواية من الأسواق.
يوليو 2009 – شهيدة الحجاب تنجح
إلا أن الانتفاضات الشعبية، والتي ربما لا تؤدي إلى نتائج يرجوها المسلمون في سبيل احترام مُقدّساتهم، لم تجد كلها طريقا للفشل، إذ أن قضية مروة الشربيني التي عُرفت شعبيا وإعلاميا ب”شهيدة الحجاب”، كُتب لها أن ترى حكما عادلا.
حيث حكم بالمؤبد على “أليكس دبليو فينز” الذي طعن الشربيني 18 طعنة في بطنها وصدرها وظهرها فارقت بعدها الحياة، كما طعن زوجها عدة طعنات لكنه نجى من الموت.
وكان أليكس مدانا بالأساس بالاعتداء على مروة ومحاولة نزع حجابها ونعتها بالإرهابية، الأمر الذي أدى لقتله للشربيني، وهذا ما أثار الرأي العام الشعبي بمصر، ومن ثم الوطن العربي.
إلا أن عاملي الضغط الإعلامي الذي لاقى صداه في المجتمع الألماني  المُتخوف من عودة أفكارا عنصرية ونازية إلى السطح من جديد، والتعامل القانوني الذي ذهب خلفه مؤيدي قضية الشربيني أمام القضاء الألماني ، أدّيَا إلى استرداد حقٌ ربما لا يعود بالانتفاضات الشعبية فقط.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

مجلة فورورد السنة الرابعة العدد الخامس والعشرون يناير 2014

اترك تعليقاً