الرئيسية / تقارير وتحقيقات / عبر التاريخ (1): القانون كان يحمي المهربين
رأس نفرتيتي
تمثال لرأس الملكة المصرية نيفرتيتي، وهي أبرز قطعة مصرية تعرض خارج موطنها - المصدر: wikimedia.org - Philip Pikart

عبر التاريخ (1): القانون كان يحمي المهربين

كتب – عمرو عبد الهادي:

عام 1835؛ وضعت مصر قواعد لحماية آثارها من السرقة والتهريب، وكانت من أوائل الدول التي وضعت تلك القواعد ولكنها كانت منقوصة وبها ثغرة، إذ للبعثات العلمية الأجنبية المنقبة عن الآثار الحق في الحصول على نصف الآثار المُكتشفة، بشرط أن تكون القطع مكررة، على أن تحتفظ مصر بالنصف الآخر، كانت هذه القواعد التي أرساها محمد علي باشا بمشاركة رفاعة الطهطاوي. في العام ذاته أصدر محمد علي باشا مرسومًا ملكيًا يقضي بعدم خروج أي قطعة أثرية من مصر إلا بمرسوم منه.

 

تُوفيّ محمد علي عام 1849، واستمر بالعمل بتلك القواعد في الوقت الذي ساعدت وسهّلت هذه الثغرة خروج قطع أثرية كثيرة تُقدر بالآلاف لخارج مصر، واستمر نزيف الآثار على أثره وبشكل منتظم.

 

عُقد أول مؤتمر دولي للحفريات في القاهرة عام 1937، واختتم أعماله بقرار صادم هو إلزام الحكومة المصرية بمساعدة البعثات الأجنبية التعليمية وممثلين المتاحف الأوروبية في إمتلاك القطع الأثرية المكررة ومنح المنقبين حصة في أي إكتشاف جديد لهم، وفي أحيانٍ كثيرة كانت نسبة البعثات من القطع الأثرية أكثر من النصف وذلك لضعف الرقابة المصرية على أعمال التنقيب ولتحكم الإنجليز وقتها في معظم مفاصل الدولة.

 

في 1951 صدر قانون لحماية الآثار وحظر تهريبها، وكان هناك ثغرة أيضاً، وهي إمكانية تبادل الآثار المكررة مع المتاحف أو الأشخاص أو بيعها لأفراد أو لهيئات مُصرح لهم بالتنقيب، وفي 1983 تم إلغاء القانون القديم وصدر قانون جديد يمنع تداول الآثار أو بيعها، والنقطة الأهم هي تقليل نسبة البعثات الأجنبية المنقبة من 50% إلى10%، وبشرط أن تكون القطع مكررة وفي أغراض البحث العلمي والعرض المتحفي فقط، وفي 2010 تم تعديل القانون وأصبحت كل القطع الأثرية المُكتشفة من البعثات الأجنبية ملكًا لمصر.

 

بسبب هذا الجانب من القانون، فقدت مصر جزءًا ضخمًا من آثارها، ودائمًا الحكومات المصرية المتعاقبة والقائمون على ملف الآثار لايتحركون إلا بعد فوات الأوان، وإن حصرنا الآثار المصرية الموجودة في متاحف وجامعات العالم سنجد أن العدد صادم جدًا, منها المهّرب ومنها ما غادر الأراضي المصرية بشكل قانوني.

 

كانت إنجلترا لها النصيب الأكبر (268 ألف قطعة)، أمريكا (212 ألف قطعة)، ألمانيا (104 ألف قطعة)، فرنسا (53 ألف قطعة)، إيطاليا (50 ألف قطعة)، كندا (25 ألف قطعة)، روسيا (14 ألف قطعة)، النمسا (12 ألف قطعة)، اليونان (8 آلاف قطعة)، هولندا (5 آلاف قطعة)، المجر (4 آلاف قطعة)، الدنمارك (2000 قطعة)، وبلغ إجمالي القطع الأثرية المصرية في الخارج عددها ما يُقارب 750 ألف قطعة، وليس لدى مصر الحق في استرداد جزءٍ كبيرٍ منها, لأنّ كل دولة من تلك الدول تملك حقوق الملكية لأي قطعةٍ في حوزتهم ولديهم ما يثبت ذلك.

 

إلى أن صدرت اتفاقية 1970 من منظمة اليونسكو التي انضمت لها مصر سنة 1973 بقرار من الرئيس السادات. تؤكد الاتفاقية حق الدول الأعضاء وبينهم مصر في استعادة آثارها المسروقة بعد هذا التاريخ أي 1970، وأية سرقات قبلها المنظمة غير مُلزمة بها، وبالتالي استردادها سيخضع للطرق الدبلوماسية بين الدول، والقرار من اليونسكو غريب إلى حد يثير الدهشة، فما العلاقة بين تاريخ عقد الاتفاقية وبين أحقية مصر في استرداد آثارها؟! هل يوجد دولة في العالم تُنسب لها الآثار الفرعونية إلا مصر؟! وهل من حق المهربين امتلاك القطع الأثرية علنًا طالما خرجت قبل 1970، إضافة إلى أنّ الدول صاحبة الحق يجب أن تثبت أحقيتها بالوثائق في أيّ قطعٍ تم تهريبها بعد التاريخ المشار إليه، ولذلك تُزور شهادات بتواريخ قديمة كي يستحيل معها عملية الاسترداد، فضلًا عن أن الدول غير الموقعة على الاتفاقية كإسرائيل مثلاً غير مُلزمة بإرجاع أي قطع اكتشفت على أراضيها.

 

وتقدمت مصر عام 2010 بطلب تعديل الإتفاقية ولوّحت بالانسحاب منها بسبب النزيف المستمر للآثار؛ لأن بهذه الإتفاقية المنظمة تحمي المهربين وليس الدول أصحاب الحق، والقانون المصري قطعا ليس له صفة خارج حدود الدولة المصرية وغير مُلزم على أي دولة، وبُناءٍ عليه فمصر خاضت مفاوضات وجهود دبلوماسية مع دول كثيرة منها أستراليا والمكسيك وأمريكا وإنجلترا وغيرها.

تعليقات