أثناء تصوير أحدى حلقات البرنامج بالقناة

جولة في قناة مسيحية: تحية من غرفة مغلقة إلى عالم معادٍ ومليء بالطائفية (تحقيق)

أثناء تصوير أحدى حلقات البرنامج بالقناة
أثناء تصوير أحدى حلقات البرنامج بالقناة
عرف فريق العمل – وهو مكون من 3 اشخاص فقط – أن الحلقة لن تذاع مباشرة على قناة “الطريق” المسيحية الفضائية، في نفس الوقت الذي ستبث فيه على الانترنت، كان هذا قبل دقائق من بدئها، لا يبدو أن هذا أثر كثيرا في معنويات الفريق الذي كان يتكون من مذيعة، ومخرج هو ايضا مسئول عن ضبط الكاميرات، ومهندس صوت يعمل مخرجا لبرنامجين آخرين.
في غرفة لا يمكن وصفها بالكبيرة، بدأ اندرو رفيق العد التنازلي في لاسلكي، طرفه الآخر في أذن المذيعة الشابة في غرفة اخرى منفصلة، حجمها اكبر قليلا، اطلقوا عليها اسم استوديو، باعتبار أن اندرو ومايكل آرميا مهندس الصوت – الذي انهمك في اكثر من عمل يجلسان – الآن في غرفة التحكم.
تحية طيبة وبعد ..
بدلا من التحية التقليدية “مساء الخير” تبدأ المذيعة  حلقتها عن التحرش الجنسي بأخرى غير تقليدية تقول “أننا في ظل الاحداث الجارية أننا في حاجة أكبر لها، وهي السلام عليكم مشاهدينا، مشاهدين موقع (الاقباط متحدون) وقناة (الطريق)”.
لا يتخيل مستخدم عادي أن تخرج من غرفتين كهاتين برنامج بهذه الجودة، يقول مايكل آرميا أن الإمكانيات (التقنية) ليست مثالية، لكنها في النهاية جيدة، هناك 4 كاميرات بالأستوديو يتحكم بها عن بعد، نظام إضاءة لا يشكو منه، ديكور معقول، وحدة صوت، وعددا من اجهزة الكمبيوتر عالية الكفاءة مملوكة لشركة انتاج تلفزيوني هي صاحبة المقر ومنتجة موقع “الاقباط متحدون” وعددا من البرامج التلفزيونية التي تبث على الموقع.
ويجد مايكل “أن المنتج المطلوب تناسبه الامكانات الموجودة، وخطوات تطويره نأخذها باقل التكاليف الممكنة”، لكن ما يشكو منه مايكل تحديدا هو الكوادر البشرية غير الموجودة اصلا، كانت قد قررت شركة “برين ويف ميديا” أن تنتج لموقعها 6 برامج تلفزيونية معتمدة على 3 اشخاص مكلفون  بأعمال الإضاءة والصوت والجرافيك والتصوير والإخراج، وعلى 6 اشخاص يقدمون ويعدون البرامج، 4 منهم يعملون بالفعل في مهام تحريرية بالموقع، وهذا ما يشكل ضغطا كبيرا.
أما عن المقابل المادي حاله حال المنتج ويسير معه بالتوازي جيد ويزيد بالتدريج، وهذا خاضع لطبيعة العمل الخاص هذه الأيام، يتولى العاملون عدة مهام لا علاقة ببعضها احيانا والمقابل كلمات تشجيع، ثم زيادات مادية من آن لآخر، وصفها مايكل بالبطيئة، لكنه لا ينكر أنه في النهاية “الميديا المسيحية فيها فلوس كتير، ويوم بعد يوم مجالها يتسع وينتشر” بما يعني أنها ليست أزمة موارد التي تضطره أن يعمل اثناء إذاعة البرنامج على إضافة بعض الاخبار لقاعدة بيانات الموقع لتجديد المحتوى اثناء البث.
 أثناء التصوير
سخونة في بلد مشتعل
يعمل مايكل في موقع “الاقباط المتحدون” منذ سنوات قليلة، لم يشهد انطلاقه عام 2004 كأحد أوائل المواقع المسيحية التي تتلمس طريقها الشائك في الفضاء الإلكتروني بجوار قناة أو اثنتين تبث من خارج مصر لها نفس التوجه الذي لا يخلو من سخونة لم يعتدها جمهور مسيحي كان أو مسلم، جعلها عرضة لهجوم شديد طوال الوقت، يقول المسؤولون عن الموقع أنهم بدأوا في التحول عنه.
لكن هناك مواقع وقنوات أخرى لازالت تسلك نفس التوجه الساخن، المهاجم للآخر على طول الخط، في ظل تصاعد دور وانتشار القنوات والمواقع الدينية المسيحية – والإسلامية ايضا – في مصر.
فقد رصد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أداء هذه القنوات في الانتخابات البرلمانية 2011، ضمن تقرير قيم أداء وسائل الإعلام المصرية المختلفة خلال الانتخابات، واشار فيه إلى “أن القنوات الدينية تتخطى حدود نقد للآخر إلى التكفير والاتهام بالانحلال والفساد، وتصر على إقصاء الآخر على اعتباره العدو الأخطر، الأمر الذي تتبادله القنوات المسيحية والإسلامية على حد سواء”.
فيما تتصاعد حدة الحوادث الطائفية الفترة الاخيرة، الأمر الذي صنع حساسية لدى الطرفين من وسائل الإعلام الدينية المتهم الأول في إشعال الأزمات، مما زادت من اتساع الفجوة على الاقل ما بين الفريقين الإعلاميين.
نص الدنيا
يخرج مايكل الموبايل ويتصل “الحاجة (فلانة)؟ جاهزة تشاركي في البرنامج؟” اشار لأندرو الذي اخبر المذيعة في اللاسلكي أن المداخلة جاهزة، ثم نقلا صوت “الحاجة” المشار إليها بحرف “ش” على الشاشة إلى الاستديو لتحكي عن تجربتها مع الختان.
مشاركة “الحاجة ش” استلزمت سؤال عن قابلية ضيوف مسلمين للحضور لبرنامج ينتجه موقع مسيحي ويذاع على قناة مسيحية، اجاب أندرو أن هناك من يرفض خوفا على سمعته، في حين قال مايكل أنه لم يصادف هذا بشكل شخصي، وابدى عدم فهمه لما اسماه أندرو “خوف على سمعته”.
وينكر باقي فريق عمل الموقع أن يكون هناك أصلا تناولا طائفيا للأخبار أو وجود تركيز زائد على اخبار التيار الإسلام السياسي بالموقع أو البرامج على حدٍ سواء، كما  ورد بالتقرير المشار إليه بأن هذا النوع من الإعلام ركز مثلا على الانتهاكات التي وقعت أثناء العملية الانتخابية ولكن كل من منظوره، فلم ترى قناة الكرمة المسيحية في اليوم الانتخابي الأول سوى انتهاكات حزب الحرية والعدالة، بينما ركزت قناة الناس على قيام حزب المصريين الاحرار بتوزيع “لعب أطفال” في بعض الدوائر.
تستشهد أماني موسى معدة ومقدمة برنامج “نص الدنيا”، ومدير قسم الاخبار بالموقع، ببرنامجها الذي ناقش هذه الحلقة ظاهرة ختان الإناث، ومن قبلها قدمت حلقة عن التحرش الجنسي وتقول أن الموقع تحول إلى موقع إخباري شامل لكل المصريين، وليس موقعا مسيحيا كما هو معروف عنه تقول “الاقباط متحدون تعني المصريون متحدون، أنها هويتنا” في إشارة إلى تعريف متداول إعلاميا لكلمة قبطي.
في حين يشير تاريخ الموقع حسب صفحته الرسمية أن أهم خدماته هي “التعرف على آخر الأحداث والاضطهادات وعمليات القمع التي يقوم بها النظام ضد الأقباط ويتم التعتيم عليها بواسطة أجهزة الدولة وصحافتها”، التعتيم الذي تراه أماني سببا لظهور ما يطلق عليه بوسائل الإعلام المسيحية.
عزت بولوس - مدير القناة
عزت بولوس – مدير القناة
ستريو تايب مسيحي
لكن هناك حاجة لوسائل إعلام مسيحية بالطبع – والكلام لازال لأماني – فالمصري دائما يراك على اساس أنك آخر، وهناك صورة ذهنية مغلوطة يقدمها الإعلام دائما عن المسيحي، غالبا ما تكون هزلية، والدولة لم توفر لك سبل تصل بها للناس، توضح بها رأيك وقضيتك، فلو تم توفير هذا ما الداعي إذن لإنشاء قنوات مسيحية !
وترد مديرة قسم الاخبار بالموقع مع تحفظها على بعض وسائل الإعلام المسيحية التي كانت تحرض الناس اثناء الاحداث الطائفية، على اتهام القنوات المسيحية بالطائفية وإثارة الناس، “بأن الإعلام المسيحي ارتكب بعض الاخطاء والخطايا في بدايتها التي تحسب عليه، والتي ترجع اصلا إلى قلة الخبرة، كما هو الحال لتيار الاسلام السياسي الصاعد الذي تنقصه الخبرة التي قد تؤدي إلى اخطاء متكررة يعتذر عنها”.
يسمح  المهندس عزت بولوس رئيس تحرير الموقع وصاحب الشركة بتصوير مقر الشركة التي تتكون استقبال وغرفة التحكم والاستديو وغرفة اخبار وغرفة تضم مكتبة بقاعة اجتماعات، وسطح العمارة الذي يستخدمه في عقد ندوات، يشير إلى صورة كبيرة معلق لمهندس عدلي ابادير أول من دعا لمؤتمر لأقباط المهجر في زيورخ، ومؤسس الموقع سنة 2004، على أنه صاحب الفضل في وجود هذه المؤسسة.
يتحدث اثناء الجولة بالمقر عن سياسة موقعه التي تبتعد عن الطائفية التي ليست في مصلحة الاقباط، فلا شك أن أول من سيتضرر من الطائفية هم الاقباط، لذلك يجب أن نركز على الحدث، وعرضه بحيادية كاملة، وترك الحكم للجمهور.
لكنه لا يمانع بما يسميه برد فعل صحي وطبيعي، على احد الكتاب الكبار الذي قد يكتب ويقول أن الانجيل محرف، “لابد أن يكون الرد موجود، وإلا سيكون الحل أن نتقبل الإهانات، دون إعطاء الفرصة لاحد أن يعبر عن رأيه بالرفض”.
 غرفة المونتاج
وسائل إعلام مسيحية .. لماذا؟
لكن سياسية تحريرية كالتي يتحدث عنها بولوس ربما لن تلقى انتشارا واسعا خصوصا وقت الأزمات، حسبما تتصور منى نادر مدير وحدة الإعلام بمركز القاهرة لدراسات الحقوق الإنسان، والتي تحدثت عن أن مواقع كـ “الحق والضلال” و “المسيحي الحر” وهي مواقع طائفية من وجهة نظرها، تعمل على البعد الطائفي للقضايا المطروحة حتى ولو لم تكن القضية طائفية اساسا، لهذا تلقى رواجا أكبر، على اساس أن الاقباط يشعرون بأنهم مستضعفين ولا يجدو من يعبر عنهم.
مضيفة “إذا عملنا دراسة مثلا في وقت الأزمات الطائفية في مصر، سنجد أن قناة مثل الحياة المسيحية تتضاعف نسبة مشاهدتها على الأقل 3 اضعاف، لأنها طريقة من طرق التنفيس، حتى وإن كان المشاهد يعرف أن المتسبب في هذه الاحداث لن يشاهد مثل هذه القنوات، لكن الرغبة في الثأر حتى ولو بالهجوم والكلام هي وسيلة لشفاء الغليل.
لا ينكر احد أن القنوات المسيحية ساهمت في وجود تكتل قبطي لم يكن مسبوق، لكنها بدلا من أن تفتح الباب لغير المسيحيين ليتعرفوا على واقع المسيحيين، قفلت المسيحيين على واقعهم، صنعت عزلة وسعت الفجوة بين الطرفين.
وتتحسر “لم نكن نحتاجهم أصلا لو كانت الأمور في نصابها، لو اختفاء بنت مسيحية مثل اختفاء بنت مسلمة، الحالتين حالة اختفاء تستوجب حركة فورية، لكن إذا كان لدينا داخلية في المصائب الكبيرة، فهل تتحرك في قضايا الاختفاء والخطف؟ هذا سؤال آخر، الدولة لا تتحرك إلا بالعين الحمراء”
ولا يبدو أن منى متفائلة بتصاعد دور هذه القنوات باعتبار أن  “الكارثة – سواء في وسائل الإعلام الإسلامية أو المسيحية – قطاع كبير من متابعيها أصلا هم قابلين للطائفية” الأمر الذي سياسهم في مزيد من العنف، واتساع الفجوة بين الطرفين، باعتبار أن القاعدة من وجهة نظرها “أنه كلما دائرة الإعلام الطائفي في مصر تتسع كلما تأكدنا أن هناك عنف طائفي أكبر في مصر، وكلما نسبة الإقبال على مثل هذه القنوات زادت كلما عرفنا أن لدى الطرفين نسبة كبت”.

هذا المحتوى من مجلة فورورد

التحقيق على صفحات مجلة فورورد - أغسطس 2013
التحقيق على صفحات مجلة فورورد – أغسطس 2013

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

مجلة فورورد السنة الرابعة العدد الخامس والعشرون يناير 2014

اترك تعليقاً