الرئيسية / تقارير وتحقيقات / الطيب: عين السينما على تحولات الثمانينيات (بروفايل)

الطيب: عين السينما على تحولات الثمانينيات (بروفايل)

بروفايل عاطف الطيب
في فترة يراها كُثر أنها من الأفقر إبداعا في القرن العشرين المصري، إلا أنه على الوجه الآخر كان وجود (عاطف الطيب) فيها سببا في إدراك مدى التردي الذي وصلت إليه أحوال مواطن الشارع البسيط الذي شغف به (الطيب) وبأحواله وأصر على إبرازها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في كل أعماله بلا استثناء .. فقد عاش وتربى مثلما عاش وتربى غالبية أهل هذا القطر.. هو الصعيدي المولود في مراغة، ثم محب ودارس السينما، ثم المقاتل في حروب الاستنزاف وأكتوبر 73 وخلال كل هذا هو العامل ليعول نفسه وأهله.
عمل تسع سنين مساعد لمخرجين كبار مصريين وغير مصريين، وهي فترة ليست بقليلة، من خلالها توصل إلى أسلوبه الخاص في الإخراج .. ومزج هذا الأسلوب مع المبادئالراسخة داخله والتي عاش عمره بأكمله مؤمنا بها لعل المحور الرئيس لهذه المبادئ هو المواطن وحقه في الحياة وكيف يسعى من أجل الحياة الكريمة التي تضمن قوت يومه واحترام آدميته.
فيلمه الأول هو “الغيرة القاتلة” جمع بين يحيى الفخراني ونور الشريف في صراع خارجي داخلي بين أبطال الفيلم، ربما مَن يُشاهد هذا الفيلم يشعر بقدر من الملل الناتج عن الخبرة القليلة في تقطيع اللقطات وربطها ببعضها البعض، لكن فيلمه الثاني “سواق الأتوبيس” لفت كل الأنظار لهذا المخرج الجديد الذي رصد بأدوات قليلة كل آلام مجتمع ما بعد الانفتاح من سقوط أخلاقي في مقابل المادة .. مَن يُشاهد الفيلم أو من شاهده لن ينسى مشهد النهاية .. نور الشريف يجري ليلحق بالسارق ويضربه ويسبه وموسيقى بلادي بلادي تكفن المشهد بمزيد من الألم!
ولأنه عاش قبل حرب أكتوبر ثم قاتل فيها ثم عايش المجتمع بعدها نجد أن الصراع بين جيل الحرب وما قبلها وجيل ما بعد الحرب من انفتاح وسياحة واستيراد عامل أساسي في تكوين نظرته النقدية للمجتمع، فذاك جيل عاش ومات من أجل القضية والأرض وجيل آخر حمل المكسب وكفى ..
“كتيبة الإعدام” وعلى وجه الخصوص مشهد إطلاق النار على المليونير الفاسد داخل المركز التسوق الضخم وسقوطه فوق منتجاته المستوردة الزاهية ميتا بعد أن ينفذ جيل الحرب حكم الإعدام فيه لا يُنسى من أذهان البسطاء الذين رأوا في هذا انتقاما وتشفيا له في كل مَن سرقهم وتاجر بالدماء في سبيل ثرائه ..
ولنعد لتساؤلنا الأول مَن منا يتخيل الثمانينيات والتسعينيات بدون عاطف الطيب؟
هل تذكرون فيلم الهروب؟ (أحمد زكي) و(عبد العزيز مخيون) وهم يُقتلان برصاص غادر في الظهر بأمر ضابط الداخلية الفاسد .. كذلك “التخشيبة” و”الزمار” و”البريء” – الذي مُنع من العرض وقتها – اصطدم في كل هذه الأفلام بالرقابة والداخلية إلا أنه ثابر حتى تم عرضهم جميعهم .. ظهر فيهم الصراع بين المواطن والسلطة وكيف تنهي السلطة دائما هذا الصراع بقوة غاشمة ويسقط المواطن ضحية بلا ثمن.
أظهر سقوط البوليس في (ملف في الآداب) وكيف يُفسد ضابط متعجرف حياة آخرين لا ذنب لهم إلا أنهم تحت طائلته ورهن أفكاره المتحجرة، فيه يظهر كيف الفساد يلد الفساد وكيف تتحول الرزيلة إلى فضيلة والعكس بالعكس .. فيتحول الضابط المحمل بالمثل في بداية حياته إلا إنسان أناني لا يرى سوى مصلحته الشخصية .. وهو لا يرفع يده عن المجتمع الذي ينهش المتهم قبل أن تثبت إدانته وكيف تحول المجتمع –نتيجة لليأس العام أو الإحباط – إلى قطيع مبلغ همه هو الإثارة والتشويه من أجل التهكم الذي هو مُسكـِّن مؤقت لهموم مجتمع مزمنة .. ثم الحب.
كيف هو “الحب فوق هضبة الهرم”؟ أو بمعنى آخر أين الحب فوق أرض تحمل الهرم؟ كيف يصبح المتعلم ذليلا والجاهل جليلا؟ تتجسد براءة السؤال فوق وجه “آثار الحكيم” الشاب ولا تجد ردا فوق وجه “أحمد زكي” الصلد الحائر .. الذي بدوره ينظر إلى أبيه العجوز وأمه العاجزة وأخته تتطلع إليه بنفس الهم والوجد. وينتهي بهما الأمر أمام ضابط الشرطة ليحرر لهما محضر فعل فاضح في الطريق العام، أو بالأحرى فوق الهرم!
غاص في هموم الواقع وحمل من القاع أسوأ ما فيه، أعاد بناءه وهندسته وصاغ لنا سينما واقعية جديدة يمتزج فيها الطابع المصري البسيط مع القهر الاجتماعي والسقوط الأخلاقي، فكان الناتج يحمل حنينا إلى ماضٍ وصدمة من حاضر وكان حرصه في معظم أفلامه أن يجعل النهاية تحمل ولو بصيصا من أمل حتى لا يغلق بابا أمام مستقبل يعلم أن مشاهديه أغلبهم لا يملكون سواه.
صراع الحاضر والماضي هو كصراع الخير والشر ظاهر في “أبناء وقتلة” وكيف يكون الماضي سببا في إفساد حاضر اعتقدنا لوهلة ونحن نشاهد أنه قد يحمل مع الحب أملا ومع الأمل حياة، لكن رصاص الماضي أسقط الحاضر بما كان يحمل من حب وتطلعات.
أحيانا حمل “عاطف الطيب” الدنيا فوق جناح اليمامة الضعيف التي استطاعت بعد محاولات أن تقفز ثم تطير وتصطدم بالأسوار لكن .. طارت في النهاية. تشعر أنه مع الخبرة يتحول الأمل والحب إلى إحدى أدواته يُدثر بهما أجواء المشهد إن أراد ويعريه إن أراد .. نتابع مشاهده المليئة بالحركة ونتساءل كيف تحرك وسط المدينة بهذه السلاسة بين المارة وتطلعاتهم وكيف روض معاونيه ليكونوا بهذه الحرية بين مواطنين تعودوا الانفصال عنهم؟
والموسيقى في أفلامه تحمل من المعاني ما لا يستطيع هو أن يضيفه، تجذبك إلى عالم الواقع الذي ينتجه وتجعلك جزءا منه .. في “ليلة ساخنة” تمثل الموسيقى من بعض الأغاني الشعبية وكذلك صوت “حسن الأسمر” تأريخا مسموعا لتلك الفترة التي ينقلها لنا “الطيب” وكيف أحيانا تصبح باعثا للبهجة أو باعثا للحزن، كل هذا في جو محكم من الاتزان الدرامي فلا تشعر بإسفاف أو حتى بعدم ملائمة.
فمشاهدة بعض أفلام “عاطف الطيب” تعطي شحنة من الحنين ومن الألم تدفع للتفكير وإعادة القراءة باستمرار .. المبدع عاطف الطيب أخرج واحدا وعشرين عملا لا غير على مدار خمسة عشر عاما منذ بدايته والأنظار تتطلع إليه، أنظار المبدعين والبسطاء على السواء، لكن مثل أي شيء نادر بالطبع لا يدوم طويلا. وتوفي مَن قال عنه نجيب محفوظ : “إنه أحد آمال السينما المصرية” في 23 يونيو 1995 عن 48 عاما ثبت فيها على مبادئه ومواقفه مهما تقلب مَن حوله ..
كل ما فات هو مجرد فقرات من حياة قد تتسع لكتابات عدة وهو تأريخ لإبداع لا لحياة ..
زنزانتى لو أضــــــــــــــــــــــيق
أنا أقوى م السجـــــــــــــــــــــان
ف العتمة بتشعلــــــــــــــــــــــق
حتى على الدخـــــــــــــــــــــــان
وأغنى بدموعى .. لضحكة الأوطان

هذا المحتوى من مجلة فورورد

عن معتز صبحي

شاهد أيضاً

المنبوذون في دول اسكندنافيا بسيما دِكّة خلال مايو

أعلنت دِكّة أضِف، المساحة المجتمعية لمؤسسة التعبير الرقمي العربي – أضِف برنامج أفلام سيما دِكّة …

اترك تعليقاً