الرئيسية / إبداع / وقوف متكرر #قصة_قصيرة

وقوف متكرر #قصة_قصيرة

taxi

ثم باغتتني الدموع، لم يكن هناك شيء أبكي عليه، رغبة صادقة في البكاء دون سبب، صرت أبحث في ذكرياتي عن مناسبة تستحق أن أقرنها – ولو زيفًا – بتلك الدموع الساخنة. قصة الحب التي لم تكتمل، خيبة الأمل في من وثقت بهم، الكفر والشعور بالضياع، لم يكن هناك شيء يرتقي لهذا النحيب.

جلست على الرصيف وبدأت أخفي وجهي بكفي، لكن عويلي دعا المارة إلى الفرجة، لم يسألني متطفل “ما لك؟” قبل أن تمر دقائق، صرت أتمرغ بها في التراب، زغدني في كتفي عندما لم أجبه، بعكس ما توقعت منه أن يربت علي براحة كفه على كتفي لأهدأ، فأشفقت على نفسي وزاد عويلي.

شرطي، في لباس مدني، لم يعرفني على نفسه لكني عرفته من بوز حذائه المدبب المترب، لا أحد يرتدي هذه الاحذية بهذا الأهمال سوى هؤلاء، بصوت خشن ولهجة فلاحي صاح في الواقفين “ايه حكايته ده؟”

مصمصة شفاه العجائز، تبعتها تعليقات ساخرة شابة، ثم ركلة خفيفة من صاحبنا في ركبتي مناديًا “يا أخينا روح بيتك إن كان لك بيت، وهناك أفعل ما بدا لك!”

تأخر كثيرا ذلك الذي قال “اتقوا الله!” لكنه في النهاية حضر، كان أول من لمسني بحنان، كفه كوسادة مريحة رفعت رأسي الذي لازلت أخفي أغلبه بكفيي، وصار يفسح مجالا لزجاجة مياة بدت صغيرة عندما لمحتها، لكنها لم تنضب وأنا اشربها، بل وفاضت حتى غسلت وجهي بكفه.

هنا كنت قد رفعت كفيي عن وجهي وصرت أتأمل من حولي، لم يكن ذلك الرحيم ملتحيًا كما توقعت، لكنني رأيت وجهه يتبدل عندما وجد الصليب مدقوق في ساعدي تمتم بصوت أسمعه “ربنا يهديك”.

سندني حتى وقفت معتدلا في مواجهة الشرطي، رأيت شاربه الميري الذي لا تخطئه العين، نظر لي متفحصًا، ثم طلب بطاقتي، رفعها أمام عينيه متعجبا، ثم سلمها لي بإشفاق مفتعل “تعرف تروح وحدك يا باشا؟” هززت رأسي مؤكدا.

حاولت الانسحاب من قلب الدائرة التي تنفض ببطء، العيون كلها تخترقني، تلهيت في تنفيض ملابسي، ثم صرت اتقدم باتجاه أحدهم منتظرا أن يفسح لي مجال للخروج، لكن لا أحد يتحرك، ترددت خطواتي ما بين هذا وذاك، ورحت أدور حول نفسي، وأصوات همهماتهم تزعجني، تغطي على اصوات ابواق السيارات التي تعطلت منذ أن اتسعت دائرة التجمهر.

كان الشرطي قد لاحظ اضطرابي فصاح في الناس أن يذهب كل حي لحاله، وكفى تعطيلًا للطريق، كأن شيء لم يكن. تفرق أغلب الناس، وبقي بعضهم يقفون على المحطة يرقبون بعين الميكروباصات القادمة وعين أخرى على ذلك البائس المضطرب.

أنادي تاكسي بوجهتي “الحلمية” فيقف على بعد أمتار أجريها، أقفز في التاكسي، واستل من جيبي شريط الدواء الذي امتنعت عنه لأيام، وأرمي رأسي على زجاج النافذة، وأراقب الطريق وهو يمر، وغصة في الحلق لم يزيلها الدواء، أفتح الزجاج وأرمي برأسي خارجها، لا اسمع صياح السائق وهو يحاول أن يوقف سيارته وينعطف بها في نفس الوقت، وأرى أخيرا العبارة الختامية تدنو أمام عيني “احترس وقوف متكرر!”.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

في ليلة من الليالي.. (قصة قصيرة)

وليست كأي ليلة..فقد طلبتُ مِراراً في أعوام مضت، لطالما كنت أطلب وأطلب ولا أعبأ بالإجابة.. …

تعليق واحد

اترك تعليقاً