الرئيسية / إبداع / هي – قصة قصيرة لهند سمارة

هي – قصة قصيرة لهند سمارة

هند سمارة

نظرت إلى نفسها فى المرآه، ولكنها لم تتعرف عليها! كان الإرهاق يبدو وكأنه سيطر على كل جزء فيها، وجه شاحب وعيون تبدو عليها آثار بكاء ليلة ماضية قد جف. كان شعرها منسدلاً بطريقة تدل على اهتمامها بنفسها رغم أن وجهها لم يبدو عليه ذلك. قامت مسرعة لتبدأ هذا الروتين اليومى الممل. تعد تلك الساندويتشات لطفليها الذى لم يتجاوز عمرهما السبع سنوات وزوجها .. هذا الرجل الذي لا تنتهي طلباته أبدًا أو هكذا كانت تشعر.

خرج الجميع وبقيت هي، حياتها تتمحور حول تلك العائلة والاهتمام بها حتى رياضتها اليومية متوقفة على جدولها المنزلي، فإذا وجدت وقت ذهبت لساعة أو اثنان وعادت ثانية. تركت رسمها، كانت رسَّامة من الدرجة الأولى، حتى أنها كانت تعرض لوحاتها فى معارض معروفة وكان اسمها على وشك أن يصبح مرموقًا بين الفنانين، ولكنها توقفت!

توقفت بسبب هذا الرجل الذى تصورت أنه حُب حياتها ولم يكن، تصورت أنهم تجمعهما شخصيتهما المتقاربة، وكان ذلك وهم الإعجاب المتهور الذي يكون فيه أحد الطرفين يمثل شيئًا ليس هو عليه ليفوز بالطرف الآخر، وتصورت أنه مختلف عن كل الرجال وبأن زواجها سيكون هو الحالة الاستثنائية لكل قصص الزواج المملة. تلك الأوهام التى تراود الفتيات السُذج ليفيقوا على الواقع المخيب للآمال.

ذهبت بفكرها بعيدًا، لتتخيل إذا لم تسر حياتها بذلك الشكل الرتيب، إذا لم تتزوج، ولم تتحمل كل ما أصبح يُشكل عبئًا ثقيلاً عليها، ماذا إذا كانت حققت حلمها؟ أصبحت مشهورة أو فقط ناجحة؟ ولم تقيدها تعليمات عن هذا الفستان القصير أو ذلك البنطال الضيق؟! ماذا إذا لم تقطع كل علاقاتها بزملائها من الجنس الآخر وتلك الصديقة التى كان زوجها لديه تحفظات عليها؟ّ! ما كل هذا التحكم؟ّ يقول لها أنها الغيرة، الحب والخوف عليها، ولكن عندما تنظر إلى حياتها عن قرب، لا تجد أى من ذلك بل أنها لا تتذكر المرة الأخيرة التى سمعت فيها زوجها يُعطى تعليقًا على شعرها أو طلاء أظافرها الجديد بل لا تتذكر آخر مرة قال لها فيها أنه يحبها بدون أن تقول هى له “أحبك” اليومية. تظن أنه أصبح لا يلاحظ المجهود الذى تبذله يوميا لتكون دائمًا جميلة. كانت تخاف أن تهمل فى نفسها بعد الزواج والانجاب مثلما يحدث دائمًا ولكنها اكتشفت أن كل ما تفعله لا يهم طالما كان هو غير مبالي.

غضبت، ثارت، جن جنونها عندما بدأت أن تتأكد من عدد السنوات التي ضاعت فيها وأضاعت شبابها. وبكت، مرة أخرى، ولكن الآن بصوت عالي فالليلة الماضية كانت تبكي في صمت حتى لا يُلاحظ زوجها، مع أنها شبه متأكدة، أنه حتى إذا كان قد سمعها لم يكن ليبالي كثيرًا، ولكان هدأ من روِعها فقط ليستطيع النوم والذهاب إلى عمله باكرًا!

قررت أخيرًا أن تثور على كل هذا .. أتتركه؟ تصبح حرة من جديد؟ ولكن ماذا عن أولادها؟ والمجتمع الذي سيطلق عليها لقب “مطلقة!” مع مرتبة الشرف؟! ماذا عن أهلها واللوم ونظرة الناس والأصدقاء…الجميع!!
كلها قيود تكبلها ولا تدري كيف تتخلص منها. ليست هي وحدها كذلك، هناك ألآف بل ملايين يواجهون ذات صراعها النفسى!

ولكنها سألت: ألم يحن الوقت لتتحدى هذا المجتمع المجرم الذي له الحق أن يصدر أحكام على البشر؟! هذا المجتمع المتخلف الذي لم يترك شخصًا واحدًا إلا واعتقله داخل سجون أفكاره ومعتقداته الأنانية التى صنعها البعض فقط من أجل اعتقال البعض الآخر…للأبد! إلى ما لا نهاية؟!

نظرت إلى الساعة، الوقت تأخر! إن أتوبيس مدرسة أولادها سوف يأخذهم على منزل والدتها اليوم في كل الأحوال. فكرت أن تهم بتجهيز حقائبها لتذهب…تذهب بلا رجعة، ولكن دق الجرس ليقطع عليها كل أفكارها وقراراتها الجريئة، إنه هو، لقد عاد من عمله! ستواجهه وترحل..أخيرًا!  وأول ما رآها سألها إذا أعدت الطعام، لم ينظر حتى لملامح وجهها أو يلاحظ تلك النظرة الجديدة وبمجرد أن انتهى استعد ليهموا بالخروج لأخذ الأولاد. إنه أصبح كالأله التي تقوم بخطوات محفوظة! ارتدت ملابسها…رسمت هذا الوجه المتبلد واضعة ابتسامة باهتة على وجهها وذهبت معه!!!

عن هند سمارة

هند سمارة
A current expat, English & Arabic writer & someone who appreciates fine music and is fond of the Lebanese arts!

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (16): حكاية الفتى الحلم

هذه المحطة دون غيرها، أتشكك في قدرتي على الإحاطة بها من جميع أطرافها، فهي باتساع …

اترك تعليقاً