الرئيسية / إبداع / مقطوعة رقم ٢ فالس لهاوزر

مقطوعة رقم ٢ فالس لهاوزر

كنت أظن أن الصباح مرض مزمن قد أصاب الكون، وأن الظلام الدامس هو اللون المنطقي، كنت أظن أن الشمس مجرد كائن متوهج يزعج مجرتنا بتوهجه المؤقت. ظننت أن للظلام شموخًا وغموضًا يقتل رتابة وضوح النهار، لذلك اختاره الله لنا عند الخلق، وربما كان أكثر الألوان اتساقاً مع طبيعة ما خُلِق.

ظللت أستمع إلى مقطوعة فالس لستيبان هاوزر وأكررها ساعات وأيامًا، شخص ما يحبني أرسلها لي وقال إن هذا كل ما يتمناه، أن نرقص فالسًا معا على أنغام هاوزر.

برغم إحباطي له بردي، إلا أن هاوزر قد أشاح عن نظري عمى الألوان.

اليوم، واليوم فقط، رأيت السماء زرقاء زرقة غير رمادية، كل الألوان كان لا يعكسها الرمادى في الخلفية.

للكون لغات تفتحه، قد تشبه ألحانًا موسيقية، أو تشبه اللغة الكازاخية في وقعها على أذناي وربما الآرامية. أؤمن أن هناك بضع كلمات سحر قد تفتح أقطاب الكون وتفتحنا على الأكوان الأخرى إلى الحد الذي يفقد الكون توازنه، لذلك يكره الرب السحر والسحرة.

ماذا لو كنت نفسي ساحرة، لو رزقت فك الطلاسم وعقدها، لماذا قد يغضب ذلك الرب. ربما لن يغضبه السحر، لكن اعوجاج الروح الذي يدنيها إلى كبر إبليس.

لو كان هناك ما أنصح به كمال ليخرج من اكتئابه، لطلبت منه أن يصبح ساحرا، عسى أن تنقشع عنه رتابة الكون، إن ذاق ملذات العوالم الأخرى.

أعلم أن الجميع قد سأم حديثي عنه، لكنه هكذا في رأسي، يدور مع خواطري ومواهبي وأفكاري. أجول في صوره لعلي أرى تلك النظرة القديمة الدافئة الحنون التى كانت في عيناه قبل أن يشوهه الاكتئاب. لو كان شبيهًا لأحد من الأنبياء، أعتقد أن عينيه ستشبه كثيرا عيني نبي الله إبراهيم.

آه، لنعود للحديث عن الكون وأقطابه، كثيرا ما كنت أتمنى ألا أفيق كل يوم وأرى الكون بهذه الرتابة، حتى حدثني هاوزر، فآمنت أن الرتابة والنعيم بالعقل، آمنت بذلك حتى أنني أتوهم لو أن هذا الكون بكل أحداثه لا يدور سوى في رأسي وأنني كتلة جسدية تركن إلى إحدى الصخور في إحدى البقاع على أحد الكواكب.

كيف لله أن يكون بتلك العظمة ويخلق عقلًا بشريا قادرا على كل ذاك! ⁦

عن نجلاء البيومي

نجلاء البيومي
كاتبة ومترجمة فورية، قدمت فاعليات ثقافية وتجارية بدار الأوبرا المصرية وغيرها، ومحبة للفنون بوجه عام.

شاهد أيضاً

إلى كمال.. وشجر الياسمين المُزهِر حول بيته

مرت فترة المراهقة والعشرينييات من عمري بسلاسة تامة، مع تهميش حياتي العاطفية أيًا كان من …