الرئيسية / إبداع / كلا.. لم يكن هناك داعي للبكاء #قصة_قصيرة
مصطفى علي

كلا.. لم يكن هناك داعي للبكاء #قصة_قصيرة

مصطفى علي - مؤسس منصة على فكرة
مصطفى علي – مؤسس منصة على فكرة
مارست كل أنواع الإنكار. كلا لم أخفي ألمي، لم أطل في مرآة السيارة وهي تودع محبوبتي التي ظلت تتصاغر صورتها والسيارة تطوي الطريق ومعه هذه الصفحة من عمري، لم اتألم. مارست كل أنواع الإنكار.
في طفولتي، حين كنت تلميذًا متواضع الحال رث الثياب في مدرسة نجم الدين الابتدائية، كنت افتح كفي أمام خيزرانة الناظر”أمين شديد” في تحد عندما ينزل بنا عقاب من لم يدفعوا المصاريف. لم اتشكى غلظته، رُفع خيزرانته، برودة الجو، وسيل السُباب الذي يقطر من فمه، لم اسأل أبي أبدا، حتى بعدما بترت قدمه الثانية ونال مبلغ مكافأة نهاية الخدمة، أن يعطيني من مصاريف المدرسة ما يجنبني التوبيخ والتقريع.
لم أكن حتى ذلك الشاب المنزوي، لم أكنه في الجامعة، يخفي فقره في صفوف المدرج، لم أكن أشعر بحرج، كنت أراني وأنا أُعير زملائي أجندات المحاضرات أنني اتنزل لهم من مكانتي كطالب مجتهد يحتاجه زملائه من الكسالى والمهملين في نهاية كل فصل.
الألم.. ما الألم؟ لم أفهمه يوما، خرج عمي من غرفة والدي واغلق الباب بهدوء، وكأنه يخشى أن يوقظه، كيف يوقظه؟! كنت متسمرًا في قلب الصالة أتربص بالخبر، أقصد أن يُعلن الخبر، اقترب عمي مني واستند على كتفي، وحشرجة صوته تحاول أن تعزيني، وأنا لم احتاج العزاء قلت له “الحياة تستمر”، لم يسمعني إذ اجهش في البكاء.
كان والدي يعاني وقد آن له أن يستريح..
قبل أن أفارق، ضَغطَت على ساعدي، كانت تتأبط ذراعي، كأننا لازلنا في أول الطريق، نحن في آخره، كانت هي تنكر، كنت أقول أني سأسافر ولن أعود، لا لمنزلنا التعيس، ولا لزملائي المتنمرين، ولا لمدرسة نجم الدين حيث كان ناظرها يضربني من أجل ٣٧ جنيه..
لم أشعر بالألم لكني لم أطق أن أنظر لها، وهي تبكي من أجلنا نحن الاثنين، سحبت ساعدي، سلمته لي دون مقاومة، وقفزت في السيارة، وحين لاحت لافتة المطار من بعيد ناولني السائق منديلًا..

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

الغاز المُسيل للشجون (قصة قصيرة)

  دوَّى انفجار هز الجميع. من أين أتى؟ الرؤوس تتساءل، والهرولة كانت في جميع الاتجاهات. …

تعليق واحد

اترك تعليقاً