الرئيسية / إبداع / قصة قصيرة: دفاتر … أقراص

قصة قصيرة: دفاتر … أقراص

«رأيتك اليوم تمشي كالسلحفاة»، يسألني بحذر صديقي الطيب عن حالي، فأجيبه بالمعتاد من إجابات، يكرر سؤاله بعد أن يخبرني أنه رآني «أتهادى» بجوار مستشفى أحمد ماهر، فأقول إني منهك فحسب.

أميل دون سبب أعرفه أثناء سيري، أخطو ببطء، وأتنفس بصعوبة، لا تنفك من وجهي عقدة الحاجبين، خصوصًا تحت أشعة الشمس، وأقلِّب بصري في المعالم والوجوه.

من يراني ولو عن بُعد سيعرفني، ويظن أنني لا أستهدف من سيري الوصول، أنا بالفعل أهيم على وجهي بالساعات، أدور في شوارع لا أعرفها، قبل أن يحين موعد خرجت له من بيتي مبكرًا، أو تأخر عنه صاحبي.

أُصدر بعض الهمهمات غير المفهومة أحيانًا، أرتشف — دون حاجة — بعضًا من الماء من زجاجة صغيرة أحملها، وأعيد ملأها مرات من «كولدير» هنا أو هناك. تتعالى بعض الهمهمات أحيانًا إلى سباب نابي، لا أتفوه به عادة، عندما أدير حوارًا متخيلًا مع أحد الأوغاد، تزداد هذه الحالة مؤخرًا، ويزداد عدد من دخلوا حياتي من الأوغاد.

كغريق يسحبه بطل أسطوري من بين الأمواج، صديق قديم ظهر فجأة أثناء أحد حواراتي، يمد يده، وأمد يدي، لكن ببطء، بينما يعمل عقلي الذي ما زال يتأرجح بين الواقع والخيال على نبش الذاكرة للعثور على اسم لهذا الوجه الذي ظهر فجأة.

«فلان، عاش من شافك» وعاش أيضًا من حُرم من رؤياك! جولات من الجمل المتكررة، سباق في تبادل المعلومات الرئيسية، أين تعمل؟ متى تزوجت أو ستتزوج؟ هل ترى فلانًا؟ هل عاد علان من السفر؟ وهل تذكر عندما كنا …؟ أربت على كتفه، فيربت على «كرشي»، أشير إلى نظارته، فينظر إلى صلعتي نظرة ذات معنى، أرحل ويرحل وبيننا وعود للقاءات لم نناقش تفاصيلها؛ لأنها لن تحدث.

أتأخر عن موعدي — كالعادة — ولا أهرول، أسير كالبطريق إلى وجهتي التي ضاعت وسط دروب سلكتها لتضييع الوقت دون داعٍ، وأصل فأجد أن من واعدني غير موجود.

أندس بين الناس على النواصي وفي محطات الحافلات، صرت لا أستخدم المسجل، ولا أسأل عن الأسماء بالكامل. أعرف أن أحدهم قد يؤلف اسمًا أثناء حديثنا، ولا أهتم، أطيل الصمت بين كل سؤال وآخر، أراقب حركة السيارات والمارة، وأتحدث في موضوعات عدة كالكرة والطقس والسياسة متصنعًا الاهتمام. أجيب السؤال بتساؤل، وأردد ما سمعته على مسامع جليسي دون أن أبدي انطباعًا، وأدعي مختتمًا حديثي بأن يصلح رب العباد حال العباد.

أرحل، أسير ببطء، أسير كالبطريق، أسير في دوائر، أسير دون وجهة، أميل، أتبادل الحديث مع نفسي، أغمغم غاضبًا، يزداد الصخب حولي وبداخلي، وأذوب في الزحام، تمر بجواري حافلة نقل عام، أرى وجهًا مألوفًا، يلفحني عادمها، فألجأ إلى الرصيف، كغريق تسحبه يد العناية الإلهية، أستمع لرنة هاتفي «يا نائمًا أيقظني حبه، هب لي رقادًا أيها النائم»، أرد فيسألني عن حالي، فأجيبه بالمعتاد من إجابات، فيكرر سؤاله، وأقول له إنني منهك.

أنهي المكالمة وتباغتني الدموع، لم يكن هناك شيء أبكي عليه، رغبة صادقة في البكاء دون سبب، صرت أبحث في ذكرياتي عن مناسبة تستحق أن أقرنها — ولو زيفًا — بتلك الدموع الساخنة. قصة الحب التي لم تكتمل، خيبة الأمل في من وثقت بهم، الكفر والشعور بالضياع، لم يكن هناك شيء يرتقي لهذا النحيب.

جلست على الرصيف وبدأت أخفي وجهي بكفي، لكن عويلي دعا المارة إلى المشاهدة. لم يسألني متطفل «ما لك؟» قبل أن تمر دقائق، صرت أتمرغ بها في التراب، زغدني في كتفي عندما لم أجِبه، بعكس ما توقعت منه أن يربت براحة كفِّه على كتفي لأهدأ، فأشفقت على نفسي وزاد عويلي.

رجل شرطة، في لباس مدني، لم يعرِّفني على نفسه، لكني عرَفته من بوز حذائه المدبب المترب، لا أحد يرتدي هذه الأحذية بهذا الإهمال سوى هؤلاء. بصوت خشن ولهجة قروية صاح في الواقفين: «إيه حكايته ده؟»

مصمصة شفاه العجائز، تبعتها تعليقات ساخرة شابة، ثم ركلة خفيفة من صاحبنا في ركبتي مناديًا: «يا أخينا، روَّح بيتك إن كان لك بيت، وهناك افعل ما بدا لك!»

تأخر كثيرًا ذلك الذي قال: «اتقوا الله!» لكنه في النهاية حضر، كان أول من لمسني بحنان، كفُّه كوسادة مريحة رفعت رأسي الذي ما زلت أخفي أغلبه بكفَّيَّ، وصار يفسح مجالًا لزجاجة مياه بدت صغيرة عندما لمحتها، لكنها لم تنضب وأنا أشربها، بل وفاضت حتى غسلت وجهي بكفه.

هنا كنت قد رفعت كفَّيَّ عن وجهي، وصرت أتأمل من حولي، لم يكن ذلك الرحيم ملتحيًا كما توقعت، لكنني رأيت وجهه يتبدل عندما وجد الصليب مدقوقًا في ساعدي. تمتم بصوت أسمعه: «ربنا يهديك».

سندني حتى وقفت معتدلًا في مواجهة رجل الشرطة، رأيت شاربه الميري الذي لا تخطئه العين. نظر إليَّ متفحصًا، ثم طلب بطاقتي، رفعها أمام عينيه متعجبًا، ثم سلمها لي بإشفاق مفتعل: «تعرف تروح وحدك يا باشا؟» هززت رأسي مؤكدًا.

حاولت الانسحاب من قلب الدائرة التي تنفض ببطء، العيون كلها تخترقني، تلهيت في تنفيض ملابسي، ثم صرت أتقدم باتجاه أحدهم منتظرًا أن يفسح لي مجالًا للخروج، لكن لا أحد يتحرك، ترددت خطواتي ما بين هذا وذاك، ورحت أدور حول نفسي، وأصوات همهماتهم تزعجني، تغطي على أصوات أبواق السيارات التي تعطلت منذ أن اتسعت دائرة التجمهر.

كان رجل الشرطة قد لاحظ اضطرابي، فصاح في الناس أن يذهب كل حي لحاله، وكفى تعطيلًا للطريق، كأن شيئًا لم يكن. تفرَّق أغلب الناس، وبقي بعضهم يقفون على المحطة يرقبون بعينٍ الحافلات القادمة، وعين أخرى ذلك البائس المضطرب.

أنادي سائق سيارة أجرة بوجهتي: «الحلمية»، فيقف على بعد أمتار أجريها، أقفز في السيارة، وأستل من جيبي شريط الدواء الذي امتنعت عنه لأيام، وأرمي رأسي على زجاج النافذة، وأراقب الطريق وهو يمر، وغصة في الحلق لم يُزِلها الدواء.

ألقي بنفسي في فراش من أشواك، تتجاذبني الكوابيس، أستند على الوسادة، تدور عقارب، وأدور في فلك أفكار تسلمني لأفكار، تجتاحني الرغبة في كتابة نص ما، الأفكار تهرب، ولا يتبقى في دماغي سوى الفراغ وشعور بالألم لا سبب محددًا له.

أسحب هاتفي اللوحي، أدفع بإبهامي الصفحة الرئيسية للفيسبوك ولا أصل لقاعه، أغوص في أيام وأسابيع من الجمل المبتورة، والتعليقات «المتذاكية».

لا شيء يستحق التوقف عنده، ولا نوم في وسادتي القاسية.

القمر لا يظهر من خلف نافذتي المواجهة لفراشي، لا نجوم في السماء التي تحجب زرقتها الصافية أضواء المدينة … لا شيء لأتأمله.

أجول في ذكرياتي، فأجدها جرداء لا تحمل أي قيمة أو معنى.

حتى أصوات الكلاب قد خفتت منذ دقائق، ولا ديكة في المدينة الخراسانية لتعلن قدوم الصباح.

أميل برأسي نحو منضدة صغيرة وقريبة، وأسحب شريطًا أفرغ أقراصه في حلقي. الطعم المالح يوقظني قبل أن تخور قواي مجددًا … فأراها، أسحب هاتفي لأدون رسالة انتحار أو اعتذار لها، لكنه يصير أثقل من قلبي المهزوم.

يتجلى وجهها على وسادتي، فأغوص في نورها، وأسمع المذياع يشدو بأغنيتنا، تلك التي يغنيها عبد المطلب «شُفت حبيبي»، وتمتلئ غرفتي بالموجودات الجميلة، لكني لم أعُد قادرًا على وصفها، ولا يمكنني التأخر عن العبور من خلال هذا الباب …

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

هند سمارة تكتب: بالابتسامة والذكرى

لا أدرى بماذا أشعر! بينما يتأرجح كثيرون بين مشاعرهم أظل أنا بمكانى. لست حزينة و …

تعليقات