الرئيسية / إبداع / بوسطا #قصة_قصيرة

بوسطا #قصة_قصيرة

معتز صبحي

كل صباح يرتدي قميص مدرسته اللبني فوق أي بنطال يجده بلا خرق في أسفله أو قطع في موضع الركبة. لا يتناول أي أفطار وغالبا لا يتذكر غسيل اسنانه. كان لا يصلي وقتها.. لا يعلم السبب.. ولا يجد ضميره يعذبه، فقط هو يفتقد فعل ما اعتاد أن يفعلة.. ثم تركه.

يختفي قليلًا في الداخل حتى تظن أمه أنه يصلي. يغرق جسده وبلاط الحمام الوردي اللون أو الأخضر – لا يتذكر – بالماء حتى تعتقد أنه قد توضأ و تتطهر. يخرج من الغرفة بعد أن ينقضي وقت الصلاة الذي حسبه لنفسه. يعيد ترتيب ملابسه أمام التلفاز. يذهب لأمه لتربط له زر البنطال الأعلى، فلم تكن أصابعه كبيرة بالقدر الكافي لذلك.

احيانا تتواجد أمه في المطبخ تعد طعام الظهيرة قبل أن تخرج إلى العمل، يهبط إليها مسرعا. المطبخ في الأسفل و النوم في الأعلى. يتذكر بعدها أنه ترك حقيبته في الأعلى، فيصعد مرة أخرى ليجذبها. يبحث عن جوربه، وعندما يجده يهبط ببطء تحت ثقل الحقيبة. يجلس إلى أقرب كرسي يقذف بحمله اللعين على الارض، ثم يرتدي جوربه جالسا ثم حذائه الصبور. تقدم أمه له طعاما ما، يلقيه في الحقيبة. يحملها على كتفاه منحنيا، احيانا يحملها على كتف واحد – إن استطاع – لكن أمه تنهاه عن ذلك، فقد تنقطع أحد أزرع الحقيبة. ينزل سلم البيت المظلم. يخرج من الحارة المقفرة، وعلى وجهه آثار تعب ووسن، يسير حثيثًاعلى الرغم من حقيبته المنتفخة كأنه يحمل فيها اشلاء احدهم.

لماذا أنبش كل هذا؟ لا ريب أن أغلب الدافع هو حنين ووحشة.. رغبة في العودة إلي أيام كان حيز الهموم فيها لا يتعدى كف يده الصغيرة، وأما هامش الأحلام فبلا نهاية. حياة بلا حوائط تسد الأفق، أو على الأقل لا يوجد حائط رابع. دائما ترى السماء والأفق. أنت في مسرح مفتوح تستند بظهرك على أحدى الحوائط. أو تنام على أرضيته الدافئة. تحتضنك. العقل لا حد له.. تصنع الجمهور من تركيبات خيالية.. قدرك هو الحكايا التي تصنعها، تعلم كيف تبدأها وتنهيها.

لا اتذكر في الماضي شيئا يصيبني بالحزن، إنما هي الذكرى هي ما يحزن. في الصغر لا نملك ذكريات.. في الكبر أصبح لنا منها العديد.. ليت أن يعود عقلي مرح لا يذكر، وقلب صاف لا يحن. كنا بلا هامش قبل كل سطر في صفحة بيضاء نخوض فيها.. أذكر أمي وهي تنبه علي ألا اكتب في هذا الهامش شيئا ليصبح شكل الصفحة أجمل وأكثر تنسيقا، ومع الوقت صارت الصفحة مشوهه أمتلأت هوامشها بخطوط غلاظ وصفحاتها بجمل اعتراضية واقواس مائلة هي حجج اكاذيب وخبايا، كحبر أسود سقط عليها .. يلوح السواد كباقي الوشم في ظاهر اليد..

*******

هل وصلت إلى الكمال؟

********

الكمال ؟!.. بمعنا آخر هل حققت ما تصبو إليه؟ كيف تشعر الآن؟ أتجد في ذلك سعادة ما؟

*********

السؤال هو هل وصلت إلى توازن ما؟ بين ما تحصل عليه من مكاسب وبين ما يصيب نفسك من الآلام وبدنك من أوجاع.. السخرية في الأمر أن في كل الحالات لا مفر من خسارة ما.. فأنا لا أختار بين مكسب أو خسارة بل أختار ما أقدر على تحمل عواقبه. إنها مقامرة من نوع ما.. اختار فعل شيئا ما لا انتظر عاقبة معينة لكني اتمناها..

والدتي لا تزال في طابور البوسطا القصير نسبيا – مثل ما تقول – تنتظر لكي تسحب مبلغ ما من حسابها هناك، لا أرى منها سوى الرأس وقد تراجع حجابها الابيض للخلف.. أرى بعضًا من شعر غلب سواده بياضة.. على وجهها ملامح متعبة مختلطة بإحمرار محزن .. كيف اختارت أن تكسب و تنسى تعيش؟! ما الذي ضحت به في مقابل اشياء أخرى ربما لا تخصها في الظاهر ؟ جل ما تقوله أمي إنها راضية .. بل سعيدة. تحمد ربها في اليوم خمس مرات في مثابرة .. عاشت و تحملت دون ان يدور و لو مرة في خلدها ما ما فكرت فيه عبر لحظات .. أهي بداخل ملعب ما و انا متفرج ؟ .. مازالت تضع اظافرها في حائط الحياة الاسمنتي و هي فيه معلقة بالكاد كل ما تفعله كل خسارة حققتها أو مكسب وصلت إليه يجرد منها شيئا ما كسكين يقطع منها أجزاء رقيقة تتجمع و تمثل حصيلة عمر يمر .. أرى نفسي في اسفل الحائط مستندا … أنظر الى افق من خيال … أفكر في يدي الصغيرة واظافري المقلمة و انتظر دوري.

عن معتز صبحي

شاهد أيضاً

الغاز المُسيل للشجون (قصة قصيرة)

  دوَّى انفجار هز الجميع. من أين أتى؟ الرؤوس تتساءل، والهرولة كانت في جميع الاتجاهات. …

اترك تعليقاً