الرئيسية / إبداع / أنا هون.. (قصة قصيرة)

أنا هون.. (قصة قصيرة)

 

حين كانت الدماء تسيل على معظم الأراضي السورية في صيف عام ٢٠١١ كانت حلب تنام في العسل، وتأكل مختلف أصناف الكباب والكبب، زرتها حينذاك لرؤية الأهل وقضاء بعض المشاغل فيها، ولسوء حظي اصطحبت سيارتي في مشوار عمل مهم في قصر العدل ذلك اليوم، كان الزحام على أشده في آخر ساعات الضحى قبل الظهيرة، وكنت أهجس بما سألقاه من معاناة نتيجة ندرة الأمكنة التي يمكنني ركن سيارتي فيها، فقد كانت الساحة المخصصة لسيارات المحامين مكتظة حتى الرصيف، كذلك  كان الحال في  الشوارع المجاورة لقصر العدل، و كانت فرصتي في العثور على مكان أركن فيه السيارة ينطبق عليها مثل الطائر المبكر و الدودة .*١

 

بعد عدة جولات حول القصر العدلي والشوارع المحاذية له، وجدت في احد الشوارع الفرعية القريبة من بابه القبلي مكانًا يناسب أن أركن سيارتي فيه؛ دخلت بسيارتي الشارع الضيق مزهوًا بفوزي بهذا المكان الشاغر رغم تأخري، واقتربت من الرصيف مقابل أحد الأقبية المغلقة، وركنتها جيدا بحيث لا تعرقل السير ولا تزعج المارة ولا الجوار، ونزلت منها فرحا مسرورًا بهذا المكان النادر المحجوب عن أعين غيري من أصحاب السيارات وكأنه مخبأ لي، لكنني ما أن وضعت رجلي على الارض، وقبل اقفال السيارة، جاء ” رجل كان يسعى*٢” وأقبل نحوي مبتسمًا وألقى علي السلام بوجه سمح  بشوش، وقال :

 

  • أستاذ، عطيني مفتاح سيارتك منشان أبعدها لما صاحب القبو النجار بدو ينزل بضاعته من الشاحنة لا يروح يضربلك ياها.

 

 نظرت إليه مليًا و حرت فيما يكون هذا الرجل ومن هو؟ فما هو بزميل لنا في المحاماة كما تنبأ سحنته و ملابسه، و لا هو بأحد معارفي أو زبائني ؛ كانت هيئته تشبه معظم الرجال المشبوهين المنتشرين بكثرة آنذاك في أحياء المدينة كلها، وحاولت تذكر هذا الوجه لكن عبثا، وزادت حيرتي مع ابتسامته الهادئة الباردة فمن يكون وكيف أترك سيارتي بين يديه؟.. قلت له:

 

  • الله يعطيك العافية ، حضرتك قريب صاحب القبو ولّا اجيره أو جاره؟
  • لاء ، أنا ماني جاره و لا شريكه و لا اجير عندو، أنا هون.
  • لى راسي يا أخ، يعني شو انت، شو شغلتك؟
  • أنا هون، من الحارة
  • طيب شلون بدي ألاقيك لما بدي أرجع آخد السيارة، وين بدي اشوفك؟
  • لا تخاف يا استاذ بتلاقيني هون، أنا دوم هون.

 

عندما كرر جملته هذه “أنا هون” بصوت واثق غير هياب و بكل برودة أعصاب، أيقنت بحدسي أنني أمام رجل يمسك الشارع بيديه وعصاه، وعلمت سطوته ونفوذه من وجوه بعض الصبية المنتظرين اشارته القابعين بعيدًا عنه في رأس الشارع، وكان لا خيار أمامي ولا مفر سوى الرضوخ لطلبه، أو البحث من جديد عن مكان آخر لركن السيارة،  فآثرت الاستسلام لطلبه المهذب اللطيف و ناولته المفتاح منصرفًا إلى عملي بعد التوكل على الله وافتراض حسن النوايا.

***

في ذلك الوقت كانت بلدية حلب قد عهدت معظم شوارع المدينة المهمة إلى شركة استثمار يملكها أحد رجالات الأعمال المرموقين، لكي يجعلها مواقف مأجورة بالساعة و الدقيقة، وجعل أجر الساعة الواحدة خمسين ليرة سورية مع خمس دقائق سماح مجانا – أي ما يعادل دولارا أمريكيًا واحدًا في تلك الأيام – ولهذا فكر الحلبيون أنهم إذا تنازلوا عن ترف ركوب سياراتهم وتجنبوا اصطحابها معهم إلى قلب المدينة لقضاء عمل يستغرق أكثر من ساعة، إنما هم يتفادون بذلك خسارة لا بأس بها، الأمر الذي أضاف إلى  سائقي السيارات العمومي “التاكسي” أهمية ومقداراً بسبب الطلب الزائد لهم، فراحوا يتحكمون بالراكب و ينظرون إليه قبل أن يوافقوا على صعوده  متن سياراتهم، فإن هو أعجبهم وقفوا له، وإلا فلينتظر الحظ..

 

بينما كنا نحن المحامين قد طردنا من ساحة القصر العدلي الداخلية المجانية، إلى ساحة خارجية تقع في شرقي سوره ، وجعلوها مجانية في أول الأمر، ثم تعهدها أحد الرجالات بعنايته وأموالنا، وكنا نقبل مكرهين بدفع الخمسين ليرة أجر ركن السيارة فيها كل الوقت لغاية انتهاء ساعات الدوام الرسمي، ما دامت الساحة الداخلية المجانية قد خصصت للسادة القضاة وكبار الموظفين  أعضاء مجلس النقابة المحترمين؛ حينها صار الطلب على تلك الساحة المأجورة على أشده، وصار من يتأخر قليلا لا يجد موضع شبر فيها، بينما خلت الشوارع الفرعية المتاخمة للقصر من السيارات بعد تأجيرها بالساعة للمضطر والمبذر، وكانت الشوارع هي المزدحمة و الساحة خالية، فانعكست الآية و تغيرت الحال، فسبحان مغير الأحوال وما يفعله المال!

 

كان واحدنا يدور ويلف بسيارته عدة مرات حول القلعة وقصر العدل حتى يجد مكانا آمنًا يركن السيارة فيه، ولقد وصلت أرتال سيارات المحامين المسالمين إلى شوارع حي باب النيرب و الأصيلة (القصيلة) القريبة من ساحة الملح*٣ وأزقة البياضة والباب الأحمر الضيقة شرقي قلعة حلب*٤. هكذا من الشارع الأكثر قربًا من القصر العدلي، فالأبعد ثم الاكثر بعداً عنه، وكل وحظه ونصيبه..

 

لذا عندما وجدت ذلك المكان القريب جدا من مدخل القصر العدلي الجنوبي لم أصدق نفسي، ولشدة فرحتي به لم أجادل الرجل الأمين “أنا هون”، وتخليت عن حذري و حرصي المعتادين، مبددًا وساوس الشيطان ومتوكلًا على الرحمن، وسلمته مفتاح السيارة عن طيب خاطر وبعض اطمئنان، وما خاب ظني فيه لما عدت بعد قرابة الساعة بصحبة أحد الزملاء، إذ وجدت سيارتي مركونة في مكان أبعد مما وضعتها فيه سالمة سليمة دون خدش أو نقصان، كان فعلا نعم الحارس الأمين وفاعل الخير الكريم، فحدثتني نفسي بمكافأته ببعض المال الذي احسبه لا يرضيه، فقلت لزميلي لما اقترب مني صاحبي “أنا هون” ليعطيني المفتاح ويأخذ الإكرامية*٥ مني:

 

  • انظر كيف سيمتعض هذا الرجل عندما سأعطيه خمسة وعشرين ليرة بس.
  • لا ما أظن راح يقول شي ، الخمسة و عشرين ليرة مليحة و ما فيها شي!
  • طيب هلق منشوف.

 

حالما ناولته قطعة الخمسة وعشرين ليرة المعدنية ورآها في يده أكفهر وجهه وقطب حاجبيه واستعاذ و حوقل حتى لكأنه غير ذلك المهذب ذو الإبتسامة اللطيفة، وبانزعاج واضح، قال:

 

  • شو هادا استاذ؟
  • هي خمسة و عشرين ليرة إكرامية لك.
  • اي بعرف، شفتها خمسة وعشرين ليرة!
  • خير؟ من شو بتشكي الخمسة وعشرين ليرة؟ بدل ما تدعيلي الله يرزقني!
  • الله يرزقك استاذ، بس هيك قليل!
  • ليش قليل خيو؟ الدولة عم تاخد خمسين ليرة في الساعة بالشوارع المأجورة، وأنا يادوب طولت ساعة، وأنت مانك متعهد للشارع من الدولة ولا هو مأجر إلك، فإذا عطيتك نص سعر الدولة بكون كتير مليح، و كويس مني عطيتك، و لازم تشكرني.
  • ما قلنا شي استاذ، بس أنا طلعتلك عالسيارة في غيابك.
  • يعني شو ساويت غير إنك نقلتها لمكان أبعد من محل ما صفيتها “ركنتها” أنا فيه؟
  • لاه يا استاذ، طلعتلك عليها لا يروح حدا يخدشا أو يضربا أو يكسر البلور أو ينزل الدولاب أو ينكشا بشي موس أو عصاي..
  • ايه الله يعطيك العافية و يسلم ايديك و السلام عليكم.

 

وفورًا صعدت إلى السيارة وأدرتها قائلًا لزميلي الذي يحاول كبت ضحكته:

 

  • هيا اصعد بسرعة و لننطلق حالا قبل أن يصيبنا حجر طائش من “هون أو هنيك” *٦
  • هه هه هه، معك حق يا استاذ هادا مو بس امتعض، شكله رايح ياكلك بلا ملح!
  • قلتلك ماهو رايح ينبسط مني ، شفت شلون حزرت؟
  • الحمد لله، الله مريحني من هيك مواقف و هيك شوفات…
  • المشكلة في هيك ناس بدك تضطر تحسب حسابها، ما بتعرف من وين بتأذيك، و فوق منها لازم تعتذر منها إذا أجت سيارتك في طريق حجارتها حتى لو كسرت الزجاج و هشمت رأسك . *٧

 

في أواخر ذلك الصيف الحامي، كانت حلب تدرك أن هذه هي فرصتها في البقاء وعين الحاكم مغمضة، والبلاد مثقلة بالقتال والدماء والألم ، فابتكر أهلها فنونًا عجيبة في الكسب وانتهاز الفرص، و بدون أسى وأسف ودعتها الوداع الأخير، وكانت آخر زيارة لي فيها، وآخر ما رأته عيناي من أعاجيب و فنون اهلها*٨.

 

****

*١: يقول المثل الطائر المبكر يلتقط الدودة أولا ، و أقول يلتقط الدودة المبكرة المسكينة فكل تأخيرة فيها خيرا .

*٢: صاحبي هذا كان يسعى في رزقه بتصيده من يقع في شراكه و حبائله .

*٣: باب النيرب و القصيلة “الاصيلة” :  من أحياء حلب الشعبية يشتهران  بالتجارة والتهريب ، و معظم اهليها من الخارجين عن القانون . و ساحة الملح : اسم موضع فيها يقع قبلي القصر العدلي و فيه جامع الاطروش الاثري .

*٤: الباب الأحمر و البياضة : من أحياء حلب القديمة داخل السور من الشرق ، مقابل قلعة حلب ، و تشتهر المحلة بحمام الباب الأحمر الاثري الجميل .

و للأسف معظم أحياء مدينة حلب و أسواقها و خاناتها الاثرية قد خربت و تدمرت واندثرت بعد أحداث عام ٢٠١١ و تقسيم حلب الى قسمين متعاديين .

*٥: الإكرامية نوع من العطاء مقابل خدمة معينة مجانية أصلا و لا تستوجب الدفع ، لكن في حلب صارت واجباً و لها سعر معين حسب الحال و حسب الاهمية ، و قد تطلق على فعل الرشوة من باب التخفيف و التهذيب .

*٦: هون و هنيك اسما اشارة بمعنى هنا و هناك للقريب و البعيد في لهجة حلب الشعبية الدارجة .

*٧: في باب النيرب إذا تسبب سائق سيارة بحادث ما و دهس أحد سكان الحي ، عليه الهرب من مكان الحادث قبل ان يهرع إليه اهل الحي بالعصي و السكاكين ، و يقوم بتسليم نفسه الى اقرب مخفر للشرطة . هكذا قالت لي لجنة فحص السواقة كجواب على سؤال تعجيزي يقول ماذا تفعل اذا دهست طفلا في باب النيرب و رأيت اهله مقبلين عليك بالاسلحة البيضاء ؟

و أذكر أني صعدت أحد سيارات الخدمة العامة “التكسي” و كان زجاجها الامامي مهشما و قد ألصقه صاحب السيارة بالشريط اللاصق ، فسألته ان كان ناجما عن حادث اصطدام أم غيره ، فقال لي لقد أصابه بعض الصبية في حي باب النيرب بحجارتهم و فوضت امري لله و مضيت في طريقي . قلت له مازحا :

كان عليك ان تنزل من السيارة و تعتذر منهم لأن سيارتك جاءت في طريق الحجر و لجمته عن متابعة طريقه.!

*٨: لم تكن تلك الحادثة إلا أول المصادفات العجيبة التي عاينتها و عانيتها في مدينتي العزيزة ، و سيرى القارئ سلسلة الغرائب فيما يلي من أحداث .

و رغم كوني ابن حلب ، لم اعد اطيق العيش فيها ، فنقلت اقامتي و سكناي الى محافظة حماة أواخر عام ٢٠٠٨ الى ان غادرت سوريا في آخر عام ٢٠١٢ الى مصر فتركيا ثم اوربا… “

عن جهاد وحيد

جهاد وحيد
أنا مجرد قارئ للواقع المرير الذي يعيشه المواطن العربي والسوري على وجه الخصوص، و أحاول أن أعطي الجمهور صورة واضحة لهذا الواقع الأليم.

شاهد أيضاً

أحلامُه الأخيرة.. (قصة قصيرة)

أحلام، شكرها لأنها أيقظته من الواقعِ قليلًا، كانت الأصوات تعالت من حوله، وهو لم يستطع …

تعليقات