الرئيسية / رأي / صفعة .. من أرض الخوف

صفعة .. من أرض الخوف

 

ظل طوال خمسة عشر عاماً في مهمته السرية ، وتغيرت الشخصيات التى يراسلها ، إلى أن أصبح يراسل أشخاص لا يعرفها ، وأخيراً وبعد إلحاح منه استطاع أن يقابل أحد المسئولين ، والذي يحمل إسم كودى (موسى) ، ولكنه لم يستريح لمقابلته الغامضة التي لم يستطع من خلالها الوصول لأي شيء فتركه على وعد بلقاء آخر بعد أن يعرض تساؤلاته على المسئولين ويأتيه بالرد ، وقبل أن يأتي موعد اللقاء الثاني أصبح فى موقف خطير حيث أنه أصبح مطارد من تجار المخدرات بعد نجاح خطة الشرطة فى الإيقاع بينه وبينهم ، تلك الخطة التي وضعها ضابط كان زميلًا له لكنه لايعلم شيئاً عن المهمة ، فهي مهمة سرية لا يعلم بها سوى ثلاثة من رؤسائه ، وقد ماتوا ولا يعلم من هو المسئول عن مهمته الآن ، ولم يقابل أيًا منهم سوى (موسى) الذى فهم من لقائه الأول أنه ليس سوى رسول وليس لديه أيه معلومات ولكنه حلقة الوصل الوحيدة التي أمامه ، لهذا فلم يتبقَّ له أمل في النجاه سوى اللقاء المنتظر مع هذا الـ(موسى) ، ولكنه اكتشف في اللقاء الثاني أنّ الذي قابله مجرد موظف في هيئة البريد ، وكان قد اعتاد على أن تمر عليه خطابات العميل (آدم) ولكنه لم يكن يعلم محتواها ، ولكن بعد سنوات قليلة من بداية المهمة أصبحت الخطابات تعود لهيئة البريد لأن العين المرسل إليها الخطابات مغلقة ، ولم يستدل على الراسل أو على عنوان آخر للمرسل إليه ، فظلت خطابات العميل(آدم) تتراكم لديه ، وفى مثل هذه الأحوال عليه أن يعدم هذه الخطابات ، إلا أنه كان يشعر بأن تلك الخطابات لها أهمية ما ، فظل يحتفظ بها لعل المرسِل يسأل عنها ، مرت سنوات و الخطابات لاتزال تتوالى دون انقطاع ودون أن يسأل عنها أحد ، ففكر فى أن يفتح الخطابات و يقرأ محتواها عسى أن يستدل منها عن سبيل للمرسِل لكي يخبره بأن خطاباته لا تذهب لمن يريد أن تصل إليه ، ولكنه لم يصل لشيء .. إلا أنه صعق لهول ما قرأ وخطورة ما اطلع عليه من أسرار ، وظل في حيرة من أمره ، إلى أن التقى بـ(آدم) ، لكنه لسبب ما لايعرفه لم يستطع أن يروي له هذه القصة في اللقاء الأول ، لكنه في اللقاء الثاني قرر أن يروى له ما حدث فما كان من (آدم) أو ( يحيى ) إلا أن التف و صفعه صفعة كانت مفاجأة صاعقة لـه.
تلك الصفعة هي محور حديثنا ؛فهي أهم لقطة في المشهد الذى هو أهم مشهد في الفيلم أي أن هذه الصفعة .. هي أهم لقطة في الفيلم، هذه الصفعة لم تفاجئ (موسى) فقط ، بل فاجأتنا كمشاهدين ، فمن الصعب أن تتوقع أنّ شخصًا في سن (أحمد زكي) آنذاك يصفع شخص في سن (عبد الرحمن أبو زهرة) مهما كانت الأسباب ، لكنه كسر كل قواعد المنطق بهذه الصفعة كي يصور لنا مدى الإنفعال الذي وصل إليه ، ولكنك في نفس الوقت ترى في تصرفه هذا ما يرضيك ، فقد عشت المهمة مع بطل الفيلم منذ البداية وشاهدت تطوراتها والنجاح في الوصول لقلب مطبخ تجارة المخدرات ومعرفة أسرار هذا العالم المحفوف بالمخاطر ، وبعد أكثر من عشر سنوات يكتشف في لحظة أنه تلقى أكبر صفعة في حياته ، وأنه لسنوات طويلة يرسل تقاريره بما تحوي من معلومات خطيرة لموظف في مصلحة البريد ، وكأنه كان يخاطر بحياته ومركزه وسمعته في تلك المهمة من أجل تسلية هذا الموظف وشغل أوقات فراغه في قراءة ما هو أكثر تشويقاً من الألغاز البوليسية .
أما عن أبطال المشهد ، فماذا أقول ؟ ماذا أقول وكل شيءٍ قد قيل !!
بالطبع أجاد الفنان (أحمد زكي) في الأداء بشكل مبهر كالعادة ، فقد تصاعد بالإحساس بشكل منظم و مدروس ، فلم تشعر بأنّ هناك أي مبالغة في الأداء أو تقصير ، بل تشعر وأنت تشاهده وكأنك أنت هو ، كان انفعاله طبيعيًّا غير مدّعي ، حتى أنه حين فاجأنا بالصفعة شعرنا أنها جاءت في مكانها ووقتها الصحيح ، ماجعلنا نتقبلها ونلتمس له العذر فيها ، أما عن شريكه في الجريمـ.. أقصد في المشهد المجرم هذا ، فأود أن أتحدث عن هذا الشريك الذى جاء بالفيلم كضيف شرف إلا أنه ضيف مهم للغاية ، مايجعله يستحق أن يكون شريك في البطولة رغم أن دوره لا يتعدى الثلاث مشاهد ، (عبد الرحمن أبو زهرة) ، كم كان مبدعاً في تعبيراته وردود أفعاله ، كم رأيت ذهوله من بعد الصفعة ، ورأيت في عينيه خوفًا واهتزازًا داخليًّا حين كان المسدس مسلط فوق رأسه ، على عكس الهدوء و السكينة التي كانت تملأ عينيه و نبرة صوته قبل الصفعة .
والجدير بالذكر أننا سنلاحظ أنّ هذا المشهد – وبالتحديد لقطة الصفعة – خالي من الموسيقى التصويرية التي تعبر عن انفعالات الممثلين ، وبالرغم من هذا كان أداء الممثلين كافى لا يحتاج إلى أي موسيقى تصويرية أو مؤثرات صوتية ، فبدونها نجح الممثلين في توصيل الإحساس بأدائهم الرائع المتميز ، والذى يغلب عليه الصدق في التعبير مع عدم التكلف و المبالغة فى نفس الوقت ، هذا الأداء الذي يستحق أن يوصف بالسهل الممتنع .
الفيلم من إنتاج 1999 ، و إخراج: داود عبد السيـد

عن رامي ظاظا

رامي ظاظا
غاوى فن

شاهد أيضاً

بيتر الصغيران يكتب: روايات نجيب محفوظ وسكون المرأة المقهورة

  رصدت روايات كثيرة تطورات المرأة المصرية طوال القرن العشرين وتحولت إلى أفلام سينمائية، ومن …

تعليقات