الرئيسية / أخبار / رؤى وتجارب.. صلاح صبرى وترجماته الرصينة
ندوة المترجم صلاح صبري - تصوير تيسبا أسامة

رؤى وتجارب.. صلاح صبرى وترجماته الرصينة

ندوة المترجم صلاح صبري - تصوير تيسبا أسامة
ندوة المترجم صلاح صبري – تصوير تيسبا أسامة

“الإنجليز فعلًا يحبون دائمًا أن يدفنوا شيئًا فى شءٍ آخر، تمامًا هكذا، بحيث لا يمكنك فصلهما إلا بالقوة: الفول السودانى فى الحلوى، الأزرق في الزجاج، الأفارقة فى الحديد.”

كتاب الزنوج، لورانس هيل، ترجمة صلاح صبري ص162

” نحن الناجون من العبور، تعلقنا بذلك الوحش الذي اختطفنا بعيدًا. لا أحد بيننا كان يرغب فى اعتلاء تلك السفينة، ولكن ما إن خرجنا إلى المياه التي لا حدود لها، حتى تشبثنا بحبالها خوفًا وفزعًا. صارت السفينة امتدادًا لأجسادنا المتعفنة. هؤلاء الذين تحرروا من هذا الحيوان العائم، سرعان ما لقوا حتفهم غرقًا، أما نحن الذين بقينا عالقين به، فقد ازداد ذبولنا بطئًا كلما تغلغل السم فى أحشائنا. بقينا مع الوحش حتى وطئت أقدامنا أرضًا جديدة، ونزلنا عبر السقالات الطويلة، وخطًا متعثرة، قبل أن يُصبح السم مميتًا. ربما نظل على قيد الحياة، هنا فى هذه الأرض الجديدة.”

كتاب الزنوج، لورانس هيل، ترجمة صلاح صبرى ص 152، 153

قام الخليفة العباسي الثانى أبو جعفر المنصور (714-775) بانشاء “بيت الحكمة” فى قصر الخلافة ببغداد، ليكون مركزًا للترجمة إلى اللغة العربية. وفى عهد الخليفة المأمون، بلغت ذروة عمليات الترجمة فى العالم العربي من خلال الدور الذي لعبه “بيت الحكمة” والذي أحدث نقلة نوعية فى الترجمة تمهيدًا للعصر الذهبي للحضارة العربية وذلك فى بداية القرن التاسع الميلادى.

أما محمد علي باشا (1769-1849) مؤسس مصر الحديثة والذي تولى حكم مصر في عام 1805، فقد اهتم بحركة الترجمة من اللغات الأجنبية في مختلف العلوم، وأمر في عام 1835 بإنشاء مدرسة الترجمة التي أصبحت مدرسة الألسن وذلك من أجل إعداد مترجمين في مختلف العلوم والفنون.

لم تقتصر لقاءات صالون “تجربتي الأدبية” على الشعراء والروائيين، بل امتد الأمر لأهم منحى من مناحي التقدم والحضارة وهو مضمار الترجمة. استضافت “تجربتي” سابقًا المترجم أحمد صلاح الدين، وفي الندوة رقم (9) استضافت تجربتي المترجم “صلاح صبري” ، وذلك من أجل توضيح أنّ الهوية والثقافة قائمة أولًا على الإبداع؛ وتندرج الترجمات الرصينة تحت مظلة وقانون هذا الإبداع.

ولد الشاعر السابق والمترجم الحالي صلاح صبري في حلوان – القاهرة عام 1961. ودرس الترجمة بكلية الآداب جامعة القاهرة. عمل صلاح صبري في ترجمة المقالات والدراسات العلمية والأعمال الأدبية هذا إلى جانب تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها.

قام صلاح صبري بترجمة رواية ” كتاب الزنوج”
للكاتب لورانس هيل، ورواية “بيت السيد بيسواس” للكاتب ﭫ.س.نايبول، ورواية  “أعرف أغنيات كثيرة ولكننى لا أستطيع الغناء” للكاتب برايان كيتلي.
ويعمل المترجم حاليًا على مشروع “لفرجينيا وولف”
تحت عنوان A Haunted House and other Stories. والذى أوضح المترجم أنه يقرأ على الأقل ثلاثة أعمال نقدية عن كل قصة وذلك من أجل فهم كل نقطة في العمل ليقوم بترجمة تليق بالقارئ ولا يخون فيها ضميره كمترجم.

أما عن تجربته وبداياته في الترجمة، فإن الدافع لذلك كانت طاقته في كتابة الشعر؛ حيث أن الدفقات الشعورية لديه -والتي لم تظهر في الشعر – دفعته إلى الترجمة الرصينة.

يسعى صلاح صبري إلى الأمانة في الترجمة، يقوم بنقل المتعة للقارئ ؛ تلك المتعة التي استمتع بها المترجم في العمل الأصلي.

أوضح صبري أن صعوبة الترجمة لا تكمن في ترجمة المفردات نفسها وإنما الصعوبة هي النقل من ثقافة إلى ثقافة أخرى.

تحدث صلاح صبرى عن أدوات المترجم، وأوضح ضرورة الإعتماد على القاموس ذي اللغة الواحدة  English to English و Arabic to Arabic وذلك لمعرفة كل مفردة في لغتها. وأوضح أن الأساس في هذه الترجمات ورصانتها هو الحقل الدلالي والذي يتم اكتسابه من السياق. وكان تعليق صلاح صبرى على عملية الترجمة هي أنها عملية مرهقة جدًا ومكلفة.

تطرقنا فى الحديث إلى  فساد المترجم والذى ساهم في الانحطاط؛ ذلك الفساد الذي أدى إلى فساد الأدب والثقافة. أوضح صلاح صبرى أن نهضة الدول تقوم على أساس الترجمة واستيراد العلوم والفسلفات والثقافات، فلو تصورنا أن هناك مترجم لا يجيد اللغة وقام بترجمة هذه الأعمال ونقَل الحضارات بصورة خاطئة، ماذا سيكون المنتج؟ وهنا تتجلى خطورة الترجمة.
ويستطرد صبري أن مشكلة معظم المترجمين تكمن في أنهم لا يرهقون أنفسهم من أجل محاولة فهم النص، هذا إلى جانب نقل العمل بطريقة خاطئة إلى القارئ … بطريقة استهتارية. ويوضح صلاح صبري أنه ينبغي محاكمة المترجمين بأثر رجعي حيث أبسط التهم التي توجه إليهم هي اهدار المال العام والخيانة العظمى للعلم والترجمة.

يوضح صلاح صبري أنه حين يترجم الأعمال الأدبية، فإنه لا يقرأ العمل الأدبي مرة واحدة؛ وإنما يقرأ ويترجم في الحال وذلك للحفاظ على الدهشة الأولى فى النص المُترجم مثلما حدث في النص الأصلي، يستكمل صبري ويوضح أنه أحيانًا يقوم بالمراهنة على معنى ما ولكن يخسر الرهان بالتقدم في النص.

أما في ترجمة الأعمال الفلسفية والكتب العلمية، فإن صبري يقرأ الموضوع كاملًا، ثم يبدأ بعد ذلك في ترجمته.

وعند سؤاله عن استعمال الكلاشيهات cliché فى الترجمات، أوضح صبري أنه لا يتبع تلك المدرسة؛ حيث أنه يتبع العمل الأدبي نفسه وكذا نقل الثقافة وليس تعريب العمل.

أما عن رواية “بيت السيد بيسواس” يتحدث صبري أن لغة نايبول تتميز بالصعوبة؛ صعوبة على مستوى المفردات وصعوبة على المستوى الدلالي ومستوى المعنى، ولذلك فقد أخذت هذه الرواية ثلاث سنوات من أجل ترجمتها. برزت اشكالية هذه الرواية في أن السرد يكون باللغة العربية الرصينة فى حين أن الحوار يجب أن يكون بالعامية ولكن الهيئة العامة للكتاب ترفض العامية ومن ثم لجأ صبرى إلى لغة ثالثة وهى لغة الترويح الكوميدي والتي هي أقرب للشعر وتفي بما تقوم به اللغة العامية. صدرت ترجمة بيت السيد بيسواس في 24 يناير 2011 مما كان له أثرًا كبيرًا على المترجم وشعر أن هذه إشارة من السماء لتؤكد له أن مجهود هذه السنوات لم يكن سدى. وعن رواية “كتاب الزنوج” ، فإن لغة لورانس هيل أسهل وأمتع. أخذت الترجمة من الكاتب ما يقرب من السنة. رواية  “أعرف أغنيات كثيرة ولكنني لا أستطيع الغناء” لغتها كانت أكثر سهولة؛ حيث أنها لغة معاصرة، ومن ثم فلم تأخذ ترجمة هذه الرواية أكثر من بضعة شهور.

عند سؤال صبري عن رأيه عن الترجمة في المشهد الثقافي في مصر، أوضح صلاح صبري أنه باستثناءات قليلة، فإن المترجمين في مصر يمارسون دجلًا؛ إنّ أكثر النصوص التي توضح خلل المترجمين هو النص الفلسفي. إن الكارثة الأكبر هي غياب النظرية النقدية؛ حيث إن غياب حركة نقدية حقيقية أدت إلى تغييب القارئ وللأسف أصبح لا يوجد قارئ حقيقي.

حضر الندوة الكاتب عبد الناصر العطيفي والشاعر مجدي عبد الرحيم والكاتب الشاب بيتر ماهر الصغيران هذا بالإضافة إلى مجموعة تجربتي.

“ثم ثبّت الصاج بالمسامير؛ غير أن الألواح ظلت تشكل خطرًا على من يلمسها، والعوارض تهتز تحت وطأة وزن السيد مكلين، وضربات شاكوشه، والصدأ المتناثر غطّى الهيكل والحشائش على الأرض. وعندما جمع السيد مكلين أدواته فى حقيبته الخشبية ومضى إلى بيته فى نهاية اليوم، راح السيد بيسواس يستمتع بالوقوف تحت سقف بيته في الظل، حيث كان يقف حتى الأمس فقط، بل وحتى هذا الصباح فقط، في العراء.”

بيت السيد بيسواس،للكاتب ﭫ. س. نايبول، ترجمة صلاح صبري ص 324

“تهرول فانتا صاعدة إلى السطح نحو سانو، التى تنكفئ على طفلتها، محاولة أن تجنبها الأذى. تشير فانتا بجنون إلى سانو، محاولة إنتراع الطفلة منها. تتشبث سانو بطفلتها ولكن تشدها فانتا ثانية، تدفعها وترفعها، وأخيرًا تضرب سانو ضربة شديدة فى أنفها. تقع سانو على ظهرها. فانتا تمسك الطفلة من رجلها بينما الطفلة تصرخ فزعًا. أحاول أن أنهض. يجب أن أصعد إلى هناك. يجب أن تسمعني فانتا. ولكن قبل أن أتمكن من الحركة، تمسك فانتا الطفلة من كاحلها. لا أدرى أى نوع من الجنون هذا الذى ينتابها. تخطو نحو الدرابزين، ملقية بالطفلة إلى المياة المترقبة. تقفز سانو عاليًا. فمها مفتوح، غير أننى لا أستطيع أن أسمع صوتها الذى يتلاشى وسط طلقات النار وصرخات البيض وأبناء الوطن. تصعد سانو الدرابزين، ملقية بنفسها فى أثر ابنتها إلى البحر.”

كتاب الزنوج، لورانس هيل، ترجمة صلاح صبرى ص 146، 147

 

عن هايدي الجميزي

هايدي الجميزي
مدرس جامعى ، مترجم معتمد

شاهد أيضاً

بيتر الصغيران يكتب: الرواية والقصة بين الموقف والنصيحة

كمية من الحكم والمواعظ والنصائح منتشرة بقوة في العديد من الروايات والقصص الحديثة ، وهذا …

اترك تعليقاً